ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
فكر الأزمة
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 1
فكر الأزمة
د. محمد داود
ابتُلِيَتْ حياتنا بنوع من الناس ملأه التشاؤم، الحياة المعاصرة فى نظره إثم كلها، والمجتمع جاهلى، والناس فاسقون، وأكثر الألفاظ على لسانه إذا تحدث حرام فى حرام.
هذا النوع من الناس سريع فى اتهام غيره، وفى إساءة الظن بالآخرين، لا يقبل رأى مخالفيه.
وهذا فكر يميل إلى الغلوّ، ولهذا الفكر أسباب اجتماعية وسياسية ... إلخ.
ومن أخطر ما يقع فيه هذا الفكر معاملة الناس جميعًا بميزان واحد دون تمييز بين شاب وشيخ، ومريض وصحيح، وظروف مختلفة يعيشها الناس، وغفلوا – أو تغافلوا – عن هذا اليسر وهذه السماحة التى تميز بـها الإسلام تقديرًا للظروف المتفاوتة للناس، فمن كان مسافرًا فله أن يفطر فى الصوم، ويقصر فى الصلاة، والمرأة الحامل والمرضع لها رخص فى دين الله ، وكان النبى يُسأل السؤال الواحد من أفراد مختلفين، فيجيب كل واحد منهم بإجابة بحسب ظروفه، إنـها مرونة تستجيب لأحوال الناس وظروفهم.
فيُسأل عن أفضل العمل، فيجيب الشاب القوى بأنه "الجهاد فى سبيل الله"، ويجيب الشيخ الفانى بأنه "ذكر الله "، ويجيب من له أبوان مريضان لا يجدان من يرعاهما بقوله: "بر الوالدين" ... وهكذا يعلمنا النبى الوعى الفهم وحسن التقدير.
ومن يسره حين أقبل الرجل وعرض على النبى أن يلتزم بالفرائض وحدها لا يزيد عليها ولا ينقص، فقال له النبى : "أفلح إن صدق".
وكان اليسر والتيسير هو اختيار رسول الله ، قالت السيدة عائشة – رضى الله عنها – فيما أخرجه البخارى: "ما خُيِّر النبى بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه".
وما من شك فى أن التشديد على الناس وعدم التيسير يجعل العبادة صعبة على الناس، وقد يعجزون عن الاستمرار على هذا المستوى المتشدد، وربما ملَّ بعضهم هذا التشديد، فى مقابل أن التيسير يحبِّب العبادة إلى الناس ويجعلها سهلة فى أدائها فيستمرون ويستطيعون المواصلـة دون ملل، وصدق الله العظيم: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة/185.
ومن ملامح الغلو فى فكر الأزمة: الغلظة والخشونة والفظاظة فى التعامل، فترى هذا النوع من الناس عابس الوجه متجهمًا ينهال على الناس بما جاء فى القرآن من وعيد، وكأنه لم يتعلم من الدين إلا جانب الترهيب والتخويف، مع أن الذين يجلسون أمامه هم الذين يصلون ويصومون ويزكون ويفعلون الخيرات ويتركون المنكرات!
وحسبنا هدمًا لفكرة الغلظة والخشونة والوجه العابس فى الدعوة أن نتأمل خطاب الله لنبيه : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران/159.
فالناس لا تحب الفظ ولا الغليظ ولا القاسى فى كلامه ولا الشديد المعنف، حتى ولو كان هذا الإنسان – وحاشاه أن يكون هكذا – هو رسول الله المؤيد بالوحى، فكيف بغيره من الناس؟!
ومن ملامح فكر الأزمة: السقوط فى هاوية التفسيق وربما التكفير، يرى نفسه هو المسلم وهو المؤمن وهو الصالح، ويرى غيره دونه، أو فاسقًا، بل ربما وقع فى هاوية تكفيره. وقد نعى الإسلام على هذه النظرة الخاطئة، قال الله تعالى:( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) النجم/32.
وقد سألت السيدة عائشة - رضى الله عنها – رسول الله عن قول الله تعالى:
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) المؤمنون/60.
فقالت: يا رسول الله، هل هو الرجل يسرق ويزنى ويفعل الموبقات، ويخاف إذا رجع إلى ربه أن يعاقبه عليها؟ فقال النبى : "لا يا عائشة، إنما هو الرجل يصوم ويصلى ويفعل الخيرات، ويخاف إذا رجع إلى ربه ألاَّ يتقبل منه، يا عائشة:( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) المؤمنون/61".
وتفسيق المسلم وتكفيره يجعل الإنسان على خطر عظيم، قال النبى : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بـها أحدهما".
وفى الحديث الذى أخرجه مسلم عن أبى هريرة : "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".
وأخرج مسلم أيضًا: "إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم".
أى هو أشدهم هلاكًا لغروره بنفسه وسوء ظنه واتـهامه للناس واستعلائه عليهم.
Dr.mohameddawood@yahoo.com
|