ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
فـقـه الأولـويـات
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 1
فـقـه الأولـويـات
خرج عبد الله بن المبارك فى قافلةٍ للحج، فمرَّ ببعض البلاد، فمات طائرٌ كان معهم، فأمر بإلقائه فى مكانٍ يلقى الناس فيه فضلاتهم، فإذا جارية تأتى فتأخذ الطائر الميت، فسألها عبد الله بن المبارك عن سبب أخذها الميتة.
فأخبرته الجارية بأنهم وقعوا فى الاضطرار ولا يجدون طعامًا منذ أيام.
فأعطاها عبد الله بن المبارك نفقة الحج، ثم رجع، وقال: هذا أفضل من حجتنا هذا العام.
*****
فى هذا الموقف درس عظيم فى فقه الأولويات، فالأعمال الصالحة تتفاوت فى المنازل والدرجات.. والنبى صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بِضْعٌ وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان».
وكان الصحابة رضى الله عنهم حريصين كل الحرص على معرفة أفضل الأعمال عند الله تعالى، وعلى معرفة أحب الأعمال عنده سبحانه؛ وذلك لأن أحب الأعمال وأفضلها أرجى للقبول عنده؛ ولذلك كثرت أسئلتهم عن أفضل الأعمال وأحبها.
ومن يتتبع ما جاء فى القرآن والسنة فى هذا المعنى يرى أن الشـرع وضع لنا جملة من المعايير؛ لبيان الأفضل والأَوْلى والأحب إلى الله تعالى: فصلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، والفرائض مقدمة على النوافل... وهكذا؛ فالموقف الذى بين أيدينا هو تطبيق عملى وأسوة وقدوة فى هذا المعنى.
فعبد الله بن المبارك لما خرج فى قافلة للحج، ومَرَّ ببلد، وماتت دجاجة من الطيور التى مع القافلة، أَمَر عبد الله بن المبارك وكيلَه أن يلقى بها فى مكان يلقى الناس فيه فضلاتهم على مقربة من طريق القافلة، وكانت المفاجأة إذ أقبلت جارية تأخذ هذه الدجاجة الميتة، وتسـرع بها إلى دارها القريبة، فتحرك قلب عبد الله بن المبارك، وأحسّ أن ضائقة وراء أمر الجارية، فذهب إليها وسألها، فأخبرته بأنها وإخوتها قد حلت لهم الميتة منذ ثلاثة أيام؛ لوقوعهم فى الاضطرار، فليس عندهم طعام ولا مال، فقد جاء لصوص فقتلوا أباهم وأخذوا ماله، فتأكد عبد الله بن المبارك من ضائقة هذه الأسرة، وأنها أولى بنفقة حَجِّه؛ حيث إن حَجَّه كان تطوعًا، حيث كان قد أدى حجة الفرض؛ فأعطاهم نفقة الحج، ثم رجع، وقال: هذا أفضل من حجنا هذا العام.
وهذا الفهم فقه دعا إليه القرآن الكريم، حين بيَّن الله أن جنس أعمال الجهاد فى سبيل الله، وإعانة المجاهدين أفضل من جنس أعمال الحج، قال تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (التوبة/19).
ثم يقول ربنا مؤكدًا فى الآية التالية أفضلية الجهاد وأولويته: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (التوبة/20)
وهذه دعوة قرآنية إلى المتطوعين بالحج كل عام أن يوجهوا هذه النفقة إلى رعاية البائسين من المرضى والمحتاجين، وإخواننا فى بلاد العالم الإسلامى بين بطالة ومجاعة وحصار ومرض وَيُتْمٍ وديون... وكوارث شتى وكل هذه الحالات النفقة فيها أولى.
والله المستعان
|