السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
     

ÇÓã ÇáãÞÇáÉ: قصَّـة كتـاب
ÇáãÄáÝ: د. محمد داود
New Page 4

قصَّـة كتـاب

 أ. د/محمد داود

 www.mohameddawood.com

dr.mohameddawood@yahoo.com

"اللُّغة والفكر والواقع": عُنْوانٌ لكتاب طالما حلم اللغوى الأمريكى "بنيامين لى وورف" Benjamin Lee Whorf (1897 - 1941) بكتابته، إلَّا أن القَدَرَ لم يُمْهِله طويلًا ليحقِّق حُلمَه.

 وعلى الرغم من ذلك لم يَمُت الحلم؛ ففى الثامن والعشرين من ديسمبر من عام (1956) بَزَغَ فى سماء علم اللُّغة كتاب يَحْمِل هذا العنوان نفسه، ولكن مَنْ الذى استطاع أن يحقق الحلم بعد مرور خمسة عشر عامًا على رحيل "وورف"؟! إنه "جون بيسيل كارول" John Bissell Carroll (1916- 2003) عالِم النَّفْس الأمريكى الشهير وصديق "وورف" الحميم، والمعروف بإسهاماته الكبيرة فى تطوير علم اللُّغة النفسى.

 ولكن كيف بدأت القصة؟ ترجع هذه القصة إلى عام (1929) عندما حَضَرَ "جون كارول" محاضرة لـ "وورف"، وكان يَبْلُغ من العُمْرِ وقتها ثلاثة عشر عامًا، حيث كان مهتمًّا بدراسة اللغات، وبخاصة اللغات الأمريكيَّة الأصليَّة. كانت هذه المحاضرة حول تجربة "وورف" فى دراسة لغات الشعوب الهنديَّة الأزتيكيَّة (نسبة إلى الشعب الأزتيكى، وهو شعب متمدِّن حكم المكسيك قبل أن يفتحها الأسبان عام 1519) والمايانيَّة (نسبة إلى شعب المايا وهو شعب يقطن هندوراس البريطانيَّة وجواتيمالا الشماليَّة) بالمكسيك وأمريكا الوسطى.

 أُعْجِبَ "كارول" بهذه المحاضرة غاية الإعجاب، وكان لها أثر بالغ فى نفسه، مما دفعه إلى أن يتقرَّب إلى "وورف" ليَنْهَل المزيد من علمه، فنشأت بينهما صداقة قويَّة، لدرجة أنَّ "وورف" سمح له بأن يساعده فى دراساته وأن يشاركه أفكاره وكتاباته حول العلاقة بين اللُّغة والثقافة، وقد عَمِلا معًا ـ لسنوات عديدة ـ فى ترجمة الوثائق الأزتيكيَّة الغامضة المعنى وفكِّ رموزها. تعلَّم "كارول" من "وورف" فى تلك الفترة كثيرًا عن علم الأصوات والتحليل الفونيمى إلى جانب عِلْم النحو؛ مما زاد اهتمامه بعِلْم اللُّغة أكثر وأكثر.

 مَضَى "كارول" بعد ذلك فى دراسته الجامعيَّة، ومضى "وورف" فى أبحاثه ودراساته حول النسبيَّة اللغويَّة، إلى أن حان وقت الرحيل وتُوفِّى "وورف" فى عام (1941).

 لقد أمضى "وورف" حياته العلميَّة وهو يحاول الإجابة عن سؤالٍ مهم: إلى أىِّ مَدًى يمكن أن تؤثِّر اللُّغة فى الفكر، ومِنْ ثَمَّ فى رؤية الواقع، ومِنْ ثَمَّ فى السلوك؟ وكانت له كتابات كثيرة حول هذه القضيَّة، إلَّا أنَّه لم يتمكَّن من نشر معظمها، فكان يحلم بأن يكون له كتاب يناقش مثل هذه القضيَّة، وأن يكون عنوانه: "اللُّغة والفكر والواقع"، وقد عَبَّرَ عن رغبته هذه فى أوراق عُثِرَ عليها بعد رحيله.

 وهنا جاء دور "جون كارول" ليَرُدَّ الفَضْلَ لصاحبِ الفَضْل، وليُقدِّم خدمة جليلة للعلماء فى كلِّ زمان ومكان، فجَمَعَ نُخْبَة متميِّزة من كتابات "وورف" ومقالاته ـ سواء تلك التى نُشِرَت أم تلك التى لم تُنْشَر ـ حول العلاقة بين اللُّغة والفكر والثقافة، ووضعها فى كتاب يحمل العنوان نفسه الذى اختاره "وورف".

 لم يكن "جون كارول" ـ فى أثناء إعداده لهذا الكتاب ـ يعلم أنه سيثير اهتمام المتخصصِّين وغير المتخصصين بمجرَّد نشره.

ولِـمَ لا؟ وقد وجد القُرَّاء فى طيَّاته أفكار "وورف" وآراءه حول جدليَّة من أقدم الجدليَّات اللغويَّة الحيَّة، تلك الجدليَّة التى طالما أثارت هَوَس الباحثين وفضول المستكشفين، ألا وهى: العلاقة بين اللُّغة والتفكير. لقد أثار هذا الكتاب جدلًا وخلافًا واسعًا لم يهدأ حتى الآن، وجذبت أفكاره عن النسبيَّة اللغويَّة جيلًا من الأدباء والفلاسفة وعلماء اللُّغة وعلماء النفس والأنثروبولوجيا، فضلًا عن غير المتخصصين، ونتج عنه أبحاث ودراسات فى شتى فروع المعرفة، ولم يأتِ كلُّ هذا الجدل والخلاف الذى أثاره الكتاب إلَّا نتيجةً للتساؤلات الجادَّة التى طرحها حول العلاقة بين اللُّغة والتفكير: هل يوجد تفكير دون لغة؟ هل تُحدِّد بِنْيَةُ اللُّغة التى نتحدثها الطريقة التى نفكِّر بها؟ أو بعبارة أخرى: هل تُحدِّد اللُّغة طريقة رؤيتنا للعالم من حولنا؟ وما علاقة القدرات اللغويَّة التى يتمتَّع بها الإنسان بذكائه العام؟ والعلاقة بين اللُّغة والواقع: هل تُعَدُّ اللُّغة مرآةً للواقع؟ وكذلك العلاقة بين اللُّغة والثقافة: هل تُعَدُّ اللُّغة نتاجًا ثقافيًّا وتاريخيًّا؟ لا شكَّ أنَّ كثيرًا من المفكِّرين قبل "وورف"، من أمثال "فلهلم فون همبولت" و "فرانز بواس" و "إدوارد سابير"، قد تأمَّلوا كثيرًا فى ماهية العلاقة بين اللُّغة والفكر، إلَّا أنَّ ظهور هذا الكتاب كان بمنزلة الشرارة التى أشعلت اهتمام العلماء والباحثين بمثل هذه العلاقة.

ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الكتاب هو الدليل الذى يتَّخذه العلماء والباحثون مرشدًا لهم فى رحلتهم البحثيَّة حول هذه الإشكاليَّة. لقد كان بمنزلة اللَّبِنة الأولى التى شيَّدوا عليها أبحاثهم ودراساتهم، بغضِّ النظر عن اتفاقهم مع أفكاره أو اختلافهم معها.

 وما زال الكتاب حتى الآن ـ على الرغم من مرور ما يزيد على الخمسين عامًا ـ منبعًا للإلهام؛ فالفكرة الواحدة فيه تستثير سلسلة من الأفكار؛ لذلك غاص العلماء فى أعماقه لاستكشاف الأفكار الوورفيَّة، تلك الأفكار التى كانت شرارة البدء فى دراسة هذه القضيَّة الجدليَّة، فأنتجوا لنا كَمًّا هائلًا من الكتب والدراسات الجادة.

 لقد كانت كتابات "وورف" ـ بحق ـ هى البذرة التى أثمرت كُتُبًا كاملة:

 • إذ أصدر "موريس لويس" Morris Lewis كتابه: "Language, Thought and Personality in Children" عام (1957).

• ولحق به "تشستر لاوسون" Chester Lawson فى العام التالى بكتابه: "Language, Thought and the Human Mind".

 • وتبعهما "جان بياجيه" Jean Piaget بكتابه: "The Language and Thought of the Child " عام (1959).

 • ولم يتأخر "هاياكاوا" S. I. Hayakawa طويلًا فأصدر كتابه: "Language in Thought and Action" فى عام (1963).

إلى آخر تلك القائمة الطويلة التى تزخر بالكتب والمراجع الجادة القيِّمة. الأكثر من ذلك أن كتاب "وورف" دائمًا ما نجده فى مقدِّمة الكتب التى يُنْصَح الطلَّاب والباحثون بالاستعانة بها فى أبحاثهم اللغويَّة حول العلاقة بين اللُّغة والفكر، ففى كتاب: "Projects in Linguistics: A Practical Guide to Researching Language" مثلًا (وهو مرجع قيّم يقدِّم للطلاب والباحثين فكرة عامَّة عن الموضوعات الرئيسة فى علم اللُّغة التى يكون من بينها موضوعات بحوثهم، كما يقدِّم لهم قائمة بكل الكتب والمراجع التى من شأنها أن تساعدهم فى هذه الأبحاث)، كان كتاب "وورف" هو أوَّل الاقتراحات العمليَّة التى قدَّمها مؤلِّفوه: Alison Wray, Kate Trott & Aileen Bloomer لكل مَنْ يرغب فى إجراء بحث لغوى حول هذه القضيَّة.

 لم يتوقَّف تأثير أفكار "وورف" عند هذا الحدِّ، بل تغلغل تأثيرها فى الأدب القَصَصى الأمريكى؛ حيث صدرت الكثير من القصص وروايات الخيال العلمىِّ التى جعلت من هذه الأفكار محورًا لأحداثها، ومنها على سبيل المثال:

 • "The Languages of Pao" (1958). للكاتب الأمريكى Jack Vance.

• "Stranger in a Strange Land" (1961). للكاتب الأمريكى Robert A. Heinlein.

 • "Dune" (1965). للكاتب الأمريكى Frank Herbert. • "Babel – 17" (1966). للكاتب الأمريكىSamuel R. Delany.

• "Native Tongue" (1984). للُّغويَّة الأمريكيَّة Ursula K. Le Guin.

 • "Story of your Life" (1999). وهى مجموعة قصص قصيرة للروائى الأمريكى Ted Chiang.

 • "Inheritance Trilogy" (2002). للكاتب الأمريكى Christopher Paolini. ... وغير ذلك الكثير والكثير.

 وقد وصل كتاب وورف حتى الآن إلى طبعته الثانية والعشرين، ومعنى ذلك أنَّ النَّبع لم يجفَّ بعد، بل ما زال يفيض، وسيظلُّ يفيض؛ لينهل منه العلماء والباحثون.

 إنَّه الإلهام الذى يستفزُّ العقل فيُبْدِع المزيد والمزيد.


 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©