ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
الظلم ظلمات
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 1
الظلم ظلمات
د. محمد داود
ما أبلغ العرب حين اشتقوا اسم الظلم من الظُّلُمات! فإن الظلم تغيير الشىء عن موضعه، والابتعاد به عما كان ينبغى له، وهذا نوع من التخبط كالذى يضرب فى الظلمات لا يعرف كيف يهتدى!
وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى حين قال: "الظلم ظلمات يوم القيامة".
فهذا عقاب من جنس العمل، فالظالم كأنه يضرب فى الظلمة ولا يبصر طريقًا فى حياته الدنيا، وإلى هذا يصير فى الآخرة ... فى ظلمات تغطيه وتحجبه عن ربه عز وجل .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: "يا عبادى، إنى حَرَّمتُ الظلم على نفسى، وجعلته بينكم مُحَرَّمًا؛ فلا تظالموا". لقد حرم الله سبحانه وتعالى على نفسه الظلم، فكيف بمخلوقاته؟!
ولقد لَعَن الله عز وجل فى كتابه الظلم والظالمين، وكال لهم الوعيد، من ذلك قوله تعالى: ) أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( هود/18.
وتوعد الظالمين بأشد العذاب، فقال تعالى: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ) الكهف/29.
وقال تعالى: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) الشعراء/227.
وما المصير الذى يُنْتَظَر لمن فعل فعلاً حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه؟!.
وصور الظلم كثيرة، وإن كانت كلها تعود إلى أصل واحد، وهو مجاوزة الحق والبعد عنه، المتأمل لحديث القرآن الكريم عن الظلم والظالمين يجد أنه قد قسم الظلم إلى ثلاثة أنواع:
• ظلم لا يُغْفَر، وهو الشرك بالله عز وجل ، قال تعالى: ) إِنَّ الشـرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( لقمان/13.
• وظلم لا يُتْرَك: وهو ظلم الناس بعضهم بعضًا، وهو المقصود فى قوله تعالى: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاس ) الشورى/42.
• وظلم لا يُطْلَب: وهو ظلم الإنسان لنفسه، وهو المراد بقوله تعالى:( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) فاطر/32.
• وهذا الظلم متعلق بالمغفرة والعفو من الله عز وجل ، يُمْحَى بالاستغفار والتوبة، ولا يخص العبادَ، وهو المذكور فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم فى تفسير قول الله تعالى: ) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( فاطر/32.
لقد فسر النبى صلى الله عليه وسلم هذه الآية بقوله: "سابقنا ناجٍ، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور لـه".
• فالسابق ناجٍ بمعنى مسرع إلى الجنة.
• والمقتصد ناجٍ من النار.
• والظالم مغفور له إذا تاب واستغفر.
فَشَرُّ أنواع الظلم: الظلم العظيم، وهو الشرك بالله تعالى، وهو ما لا يغفره الله لعبده إذا مات عليه.
ثم ظلم العباد، وهذا الظلم لا يُغْفر إلا باسترضاء المظلوم ورد مظلمته، وتلك لفتة عظيمة من الخالق سبحانه وتعالى ، إذ ترك للمظلوم حرية العفو أو الإدانة، وهذا من تمام عدله وكمال رحمته بعباده.
وقد حذر النبى صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من هذا الظلم فقال: "اتقِ دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب"،وقال صلى الله عليه وسلم : "اتقِ دعوة المظلوم، فإنـها تُحْمَلُ على الغمام، يقول الله: وعزتى وجلالى لأنصرنَّك ولو بعد حين".
فلا بد أن يُعاقب الظالم، وإن تأخر عقابه فهو آتٍ لا محالة، وقد أقسم الحق تبارك وتعالى على هذا، وما قد نراه من غلبة الظلم وهيمنة الظالمين على أسباب الدنيا، إنْ هو إلاَّ استدراج لهم، قال تعالى: ) وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ( الحج/48.
وقد أرشدنا النبى صلى الله عليه وسلم ألا نلوِّث أيدينا وقلوبنا بشىء من الظلم، قال صلى الله عليه وسلم : "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شىء، فلْيتحلَّلْه منه اليوم قبل أنْ لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عملٌ أُخِذَ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبه فُحمِلَ عليه".
وأما ظلم الإنسان لنفسه، كالتقصير فى العبادات، والوقوع فى صغائر الذنوب، فعسى الله أن يغفره ويتجاوز عنه، ولكنه يحتاج إلى أن يداوم العبد على ذكر الله عز وجل وطلب المغفرة، قال تعالى: ) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( آل عمران/135.
ومن عظيم الدعاء الذى تطلب به المغفرة من الله عز وجل لمن ظلم نفسه أن يدعو بدعاء نبى الله يونس عليه السلام : ) فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( الأنبياء/87.
رب إنى ظلمت نفسى ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى، وتب علىّ إنك أنت التواب الرحيم.
يا الله، يا تواب، يا غفار، يا غافر الذنب، يا قابل التوب، يا رحمن، يا رحيم، يا ذا الجلال والإكرام.
Dr.mohameddawood@yahoo.com
|