ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
الفرق بين " هاد و هادى "
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 4
الفرق بين " هاد و هادى "
سؤال: شيخنا الجليل لو تكرمت علينا ما الفرق بين قوله تعالى (وما انت بهادي )في سورة النمل اية رقم 81باثبات الياء وقوله (وما انت بهاد)بحذف الياء سورة الروم اية رقم53
الجواب:
• أولًّا: حذف الألف بعد الهاء فى الكلمتين (بهد، بهدى) والإشارة إلى الألف المحذوفة بألف صغيرة بعد الهاء.
وذلك للإشارة إلى وجود قراءة أخرى للكلمة تجعلها فعلًا: (تهدى، تهتدى)
• ثانيًّا: أما حذف الياء من آخر الكلمة فى سورة الروم وإثباتها فى آخر الكلمة فى سورة النمل على الرغم من أن نص الآية واحدًا متطابقا إلا فى رسم هذه الكلمة. فهذا يعبر عن حس لغوى مرهف من كتبة الوحى يتصل بالمعنى السياقى لآيات كل سورة.
• وقد أشار إلى جانب من ذلك العلامة العغوى المرحوم أ.د/ عبدالعظيم المطعنى بقولة: ( إن النظر فى الآيتين يثير فى النفس سؤالًا مهمًا جديرًا فعلًا بأن يثار. لماذا أثبت "الياء" فى هادى فى آية "النمل" ؟ ثم لماذا حذفها فى آية "الروم" والآيتان عبارة عن آية واحدة كررت مرتين؟
فأولا ننفى نفيا قاطعا أن يكون هذا الاختلاففى رسم كلمة "هادى" خاليا من الدلائل والأسرار. فيما علينا- إذًا- إلا البحث عن تلك الدلائل والأسرار مقتدين بعلمائنا فى هذه السبيل.
• وخلاصة ما يقال فيهما إن ما أثبت فيه "الياء" كان المراد منه الهداية الحسية الظاهرة، وهى محالة فى عُمى الأبصار (بِهٰدِى العُمىِ )
• أما ما حذف منه "الياء" فالمراد به الهداية القلبية الكلية وهذا لا يختص به إلا الله عز وجل.
وهاتان الآيتان لهما فى النظم القرآنى المعجز شأن هو العجب حقا. فقد سبقت كل منهما بآية تكررت بلفظها ومعناها مع اختلاف فى حرف واحد مرتين؛ مرة قبل آية "النمل" ومرة قبل آية "الروم".
{ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)} النمل.
{ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) } الروم.
قارن بينهما فإنك تراهما آية واحدة فعلا كررت مرتين مع فرق طفيف هو: أن آية "النمل" خلا مطلعها من أية أداة عاطفة، أما آية "الروم" فقد تصدرها حرف العطف "الفاء": "فإنك".
وكذلك الآيتان التاليتان لهما لا فرق بينهما إلا اثبات "الياء" فى آية "النمل" هكذا " بِهٰدِ" .
وإذا توسعت قليلا فى النظر بان لك أن هذه الآيات الأربع أو المكررتين مرتين جاءت أو جاءتا تعقيبا على مواقف الكافرين وإصرارهم على الجحد مع كثرة العبر والآيات الكونية التى لفت الله أذهانهم إليها فى السورتين الكريمتين.
وفى هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم لئلا يأسى عليهم.
• ويضيف الإمام الزركشى رحمه الله وجهًا مهمًا من حكمة رسم الكلمة على هذا النحو الذى وردت به فى سورة "النمل"، وسورة "الروم" حيث يُفرق بين الهداية الكلية على التفصيل التى تعتمد على الأسباب الظاهرة لتكون سبيلا إلى تحصيل فضل الله فى التوفيق للهداية والإعانه عليها.
- وبين الهداية الكلية الكاملة التى فى سورة "النمل" بدليل قوله تعالى: { إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ } وهى الهداية الربانية التى تلقى فى القلب وهى الهداية الأتم والأكمل لذلك رسمت الكلمة بإثبات "الياء" فى آخرها للدلالة على ذلك.
• ثالثًّا: وفى إطار علم اللغة الحديث من نظرية السياق والتحليل التكوينى للمعنى يظهر لى - والله ربى أجل وأعلم – أن سياق سورة "النمل" جاء متنوعا فى الحديث عن الهداية، حيث تناول هداية موسى لقومة، وذكر النار ومعجزة العصا وتسع آيات أيد الله بها نبيه موسى عليه السلام ثم مضت الآيات إلى ما أيد الله به داود وسليمان من معجزات { عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ } وتسخير الجن... وقصة وادى النمل والنملة والهدهد... وملكة سبأ وعفريت الجن والصرح ثم مضت الآيات إلى قصة الهداية مع نبى الله صالح إلى ثمود ثم انتقلت الآيات إلى قصة الهداية مع نبى لوط ثم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم يأتى التأكيد الإلهى بالنصرة الإلهية والهداية الربانية فقال تعالى: { فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) } النمل.
فناسب ذلك إثبات "الياء".
فى مقابل أن الآية فى "الروم" جاءت الآية فى سياق بسط أدلة الهداية من بيان طلاقة القدرة الإلهية لقوم سيدنا محمد فقط دون ذكر لقصص باقى الأنبياء فناسب ذلك حذف "الياء".
وفى الختام أود أن أذكر أن بُعد الناس فى زماننا عن اللغة العربية وفقدان الحس اللغوى المرهف بدقائق التعبير البلاغى جعلهم يصابون بالدهشة حينًّا وبالغرابة حينًّا آخر ولو سألوا أهل الذكر لأبانوا لهم من سر الجمال وكشفوا لهم عن بعض العظة والروعة والإحكام فى رسم المصحف، الذى عبر عن المرحوم أ.د/ عبدالعظيم المصطفى بقوله: " رسم المصحف توفيق إلهى كاد أن يصل إلى حد التوفيق"
كيف لا وكل هذا متصل ببركات قول الله تعالى :
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )
|