السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
     

ÇÓã ÇáãÞÇáÉ: متوكل على القـافلـة
ÇáãÄáÝ: د. محمد داود
New Page 1

متوكل على القـافلـة

عزمت جماعة من طلبة العلم على الحج، وأحب الإمام أحمد بن حنبل أن يطمئن عليهم، ولفت انتباهه شأنُ أحدهم؛ حيث استعد كل واحد من الجماعة بالزاد والنفقة إلا طالبًا لم يُجهِّزْ شيئًا!! فسأله الإمام أحمد بن حنبل عن سبب ذلك، فأجاب الطالب: أنا متوكل على الله!! فقال له الإمام أحمد: أَلسْتَ مع القافلة؟! فأجاب الطالب: بلى، إنى معهم. فقال له الإمام أحمد: أنت متوكل على القافلة.

 *****

 • هذا موقف تربوى يبين لنا حقيقة التوكل على الله تعالى، ويعالج وهمًا شاع بين الناس حين يتركون أنفسهم عالةً على مَنْ حولهم، وعبئًا على إخوانهم؛ ظنًّا منهم أن هذا توكل على الله تعالى. لذلك لم يَرْضَ الإمام أحمد بن حنبل لطالب العلم أن يترك الأسباب فلا يعد الزاد ولا النفقة، ويترك نفسه عالةً على القافلة، ويقول: أنا متوكل على الله، فأرشده الإمام بقوله: أنت متوكل على القافلة.

• إن الله تعالى أمرنا فى قرآنه الكريم أن نأخذ بالأسباب، والآيات فى هذا المعنى كثيرة؛ من ذلك قوله سبحانه: ( وَقُلِ اعْمَلُوا..) ، وقوله:( فَاسْعَوْا.. )، وقوله:( فَانْتَشِرُوا..). فكيف يكون تَرْكُ ما أمرنا الله به توكُّلا عليه سبحانه؟! إنَّ فِعْلَ السبب طاعة؛ لأن الله أمرنا أن نأخذ بالأسباب. وترك السبب معصية؛ لأنه مخالف لما أمرنا الله به.

 والتوكلُ هو الاعتماد على الله تعالى، والاعتقاد الخالص بأن النافع هو الله، وأن الضار هو الله مع الأخذ بالأسباب؛ وقد قال بعض السلف الصالح: «حقيقة التوكل: الجوارح تعمل، والقلوب تتوكل». وغياب أحد الأمرين (عمل الجوارح أو توكل القلوب) يُحوِّل التوكل إلى شىء آخر؛ فغياب الأخذ بالأسباب، مع القدرة عليه، يؤدى إلى التواكل، وغياب اعتماد القلب على الله يؤدى إلى الشرك؛ وقد وصف العلماء المحققون من السلف الصالح حقيقة التوكل فى ثلاث كلمات: «فِعْل السبب طاعة، وتَرْك السبب معصية، والاعتماد على السبب شِرْك بالله تعالى».

 وقد جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أرسل ناقتى وأتوكَّل؟ قال صلى الله عليه وسلم : «اعْقِلْها وتوكل».

ويُبَصِّرُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمرة التوكل الحق بقوله صلى الله عليه وسلم : «‏لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تَغْدُو خِماصًا، وتَروحُ بِطانًا».

أى: تذهب الطير أول النهار جائعة، وتَرْجِع آخر النهار مُمتلئةَ البطون. ووعَد الله مَنْ توكَّل عليه أن يكفيه؛ قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق/3).

 أى: كافيه. وجعل الله التوكل الحق من صفات المؤمنين؛ قال تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال).

 • وثَمَّة درس آخر فى هذا الموقف؛ وهو أهمية الملاحظة فى العملية التربوية؛ كى يتحقق المعلم والمربى من صواب الفَهْم، وصحة التطبيق عند تلاميذه. وهذا هدى نبوى كريم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يلاحظ أصحابه رضى الله عنهم، ويوجههم ويرشدهم.

وفى هذا الموقف أثمرت الملاحظة تصحيح مفهوم خاطئ وقع فيه أحد التلاميذ؛ ظَنًّا منه أن هذا من التوكل؛ وقدْ صحح الإمام أحمد له هذا الفَهْم وأرشده.

اللهم ارزقنا حسن التوكل عليك، ودوام الإقبال عليك.. يا رب العالمين


 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©