ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
عـلامَ التعـالـى
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 4
عـلامَ التعـالـى ؟!
مَرَّ رجل يتباهى، يظهر عليه آثار التَّرَفِ والغِنَى، فقال
النبى صلى الله عليه وسلم لرجل يجلس عنده: ما رأيُك فى هذا الرجل؟
فقال: هذا رجل من أشراف الناس، هذا والله حَرِىٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شَفَعَ أن يُشفَّع، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم مَرَّ رجل آخر تبدو عليه أمارات الفقر، فقال النبى صلى الله عليه وسلم للرجل الذى يجلس عنده: «ما رأيك فى هذا الرجل؟».
فقال: هذا رجل من فقراء المسلمين، إن خطب لا يُزوَّج، وإن شفع لا يُشفَّع، وإن قال لا يُسمع لقوله.
فقال النبى صلى الله عليه وسلم : «هذا خير من ملء الأرض من ذاك الأول».
*****
هذا موقف تربوى عظيم يحمل دلالات هادية منها:
• الدلالة الأولى: الأسلوب التربوى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التعليم، وإظهار الحقائق بشكل ملموس، تتجسد فيه المعانى، وتثبت فى ذهن المتعلم، فيكون أجدى وأنفع من الكلام المجرد، وهذا اتجاه تربوى محمدى من بين اتجاهات تربوية كثيرة تظهر فى السنة المطهرة، وتطلب من الباحثين فى التربية ومناهجها أن يتوفروا لها بالبحث والدراسة؛ كى تنتفع الأمة والدنيا كلها بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مناهج التربية.
فالملاحظة السـريعة تُظهر أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يستخدم الحوار المقنع، ويلجأ إلى الاستدلال، كما يقدم الأسوة والقدوة فيما يقول، كما كان يستعين بالوسائل التوضيحية التى كانت تتناسب مع البيئة فى عصره صلى الله عليه وسلم .
من ذلك رسمه صلى الله عليه وسلم على الأرض خط الأجل وخط الأمل، واستخدام الحصى والعصا فى بعض البيانات العملية، وغير ذلك كثير تفيض به سنة الهادى البشير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكل هذا يكشف عن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمانة تبليغ الدعوة، ووصولها سهلة ميسـرة إلى قلوب الناس وعقولهم، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله لم يبعثنى مُعنتًا ولا مُتعنتًا ولكن بعثنى معلمًا ميسِّرًا».
وفى هذا أسوة للدعاة والمعلمين فى اصطفاء ما يناسب المتلقى للعلم من وسائل وأساليب.
• الدلالة الثانية: وهى تمثل بيانًا عمليًّا لتأكيد مفهوم إيمانى، هو أن منازل الناس وأقدارهم عند الله تعالى، لا تتأتى من مظاهرهم؛ فقد تكون المظاهر مضللة خادعة، ولا تتأتى من أموالهم ولا من متاع دنياهم، وإنما الذى يضع الإنسان فى المقدمة عند ربه هو صدق إيمانه بالله تعالى، وصلاح عمله، قال سبحانه: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (الحجرات/13).
ولذا قال النبى صلى الله عليه وسلم بعد أن مر الرجل المتباهى، ثم مرَّ الرجل الصالح المتواضع الفقير: «إن هذا الرجل ـ أى الصالح الفقير ـ خير من ملء الأرض من مثل هذا؛ أى الرجل المتباهى الغَنِىّ»؛ وذلك لأن الناس كلهم لآدم، وآدم من تراب، فعلامَ التباهى، وفيمَ التفاخر؟!
حُكِىَ أن أحد الصالحين رأى عالمًا أصابه الزهو بعلمه، والفخار بذكائه، فأحب أن يعظه، فسأله عن تفسير ثلاث آيات من القرآن الكريم؛
الأولى: عن قول الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ (النحل/78).
والثانية: عن قوله سبحانه: ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ (النحل/70).
والثالثة: عن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (الإسراء/85).
فأدرك العالم الموعظة، وقال: «بين جهل البداية وجهل النهاية علم قليل، فسبحانك يارب، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم».
وهكذا ينبغى ألَّا يتعالى الإنسان بما عنده من نِعَم؛ لأن النعم من فضل الله؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ (النحل/53)، كما ينبغى على الإنسان ألا يَسْخَر ممن هم دونه فى صحة أو مال أو علم، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (الحجرات/11).
نسأل الله أن يهدينا، وأن يتولانا، وأن يرضى عنا
|