ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
وشعرت بالعجز
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 2
وشعرت بالعجز
رشحنى من أحبه من علماء الأزهر الشريف لأكون مشرفا دينيا بشركة الكرنك خلال رحلة الحج العام.
وطلب مسئول السياحة الدينية بالشركة مقابلتى ليتعرف علىّ قبل الاجتماع العام الذي توزع فيه الأدوار وتحدد فيه المسؤوليات وما أن وصلت لمكتب السيد المسؤول حتى دخل علينا رجل سمح كريم,
يصطحب معه شابًا كفيف البصر في العشرين من عمره, ملامح
الشاب لا تبدو قريبة الصلة من ملامح الرجل الذي يقوم باصطحابه
معه.
فقط ملأت نظرى والتزمت الصمت. وإذ بالسيد المدير يقدم
كلانا للآخر. وعرفت أن الرجل السمح هو أستاذ فاضل ومربٍ
كريم بمعهد الصم والبكم والشاب الكفيف أحد تلاميذه, وهو ليس
كفيفا فقط بل أصم أبكم وقد تولى أحد رجال البروالخير دفع نفقة
الحج له ولأمه.
وأوصانى الأستاذ بالشاب خيرًا.
وكانت من بداية الرحلة إلي المدينة المنورة أولا , وجلست معه في
نفس الحجرة ومعنا ثالث, شغلته بضائع المدينة عنا وعن دروسنا
فكان لا يدخل علينا إلا مرهقا مُحملًا بما اشتراه, وأظن أننا ما سمعنا
منه إلا عبارة تتردد.. بركة للأهل من المدينة يا أستاذنا!!
لم يفرغ
لحظة.. ولم يأت للدرس اليومى ليعلم أن بركة المدينة في الصلاة
في مسجد الرسول والذكر وقراءة القرآن وليست في الأسواق وشراء
ما صُنع في الصين وتايوان.. وخلافه.. سبحان الله له في خلقه شئون..!
نعود إلى صاحبى الشاب الكفيف الأصم الأبكم, لقد جلس يسألنى
عن كل شئ في حياة النبي صلي الله عليه ويلم وعن قصة المدينة, ومسجدها, والحج, ولا يكتفي بالسؤال عن أركان العبادة وسننها..
وإنما له عقل ذكى, فيسأل لماذا ؟!
وما الحكمة من وراء كذا وكذا..؟
وتصافحنا ومن لمسة يده وصلت إلىّ كل مشاعره و خواطره وآماله
في أن يظل طوال الرحلة في صحبتى يدا بيد, وخطوة بخطوة.
ويعلم الله أنى شعرت بالعجز, وأحسست أن علمى في اللغة المسموع والمرئية تضاءل إلى حد التلاشى أمام صاحبى الشاب.
وبدأت قبيل الحج أتعلم على يد أستاذه شيئا من لغة الصم والبكم التى تصلح لشاب كفيف أصم أبكم كصاحبى.
وما إن بدأت الرحلة إلا وأحسست أنى في كل لحظة مع صاحبى الشاب فى امتحان غريب علىّ. وفي الحقيقة أننى كنت لا أت عجل الكلام باللمس معه بل كنت أتعلم من تعبيره بيده, وكثيرا ما طلبت منه أن يعيد حركاته التعبيريه مرة ومرة كى أتاكد من صحة فهمى لمراده من جانب , ومن جانب آخر كي تكون هذه الحركات مفتاحاً لأسوب التعبير الحركى الذي يصلح للإجابة عليه.
ويشهد الله أنى أُكرمت به فى هذه الرحلة فما كان سبب تأخير ولا إعاقة بل كان سبب تيسير وإكرام.
وتمت رحلة الحج وعدنا إلى مصر.. وافترقنا على أن نلتقى..
وودعت صاحبى الشاب وأنا أقول في نفسى..
سبحان الله الرحمن الذي خلق الإنسان علم البيان.
وقال لى إنى أحب أحكى لك قصة حياتى.. ولم أكن في سرعة فهمه للتعبير الحركى باللمس, أحسست بتدفق عنده في المشاعر والرغبة في المعرفة.. فوراء حاجز اللغة عند صاحبى الشاب الكفيف الأصم الأبكم بحار متلاطمة من المشاعر وحب المعرفة وحب التعبير عن النفس لكن حاجز اللغة.. جعلها حبيسة إلا قطرات بسيطة خرجت مع لمسة اليد وأصابعها.
أما نبرة الصوت وما تحمله من حنان أو خوف أو قلق أو استياء إلخ.. أما الجمل المتوالية التى تنوع التعبير عن وجوه المعنى الواحد بطرائق شتى..
فكل ذلك لم يكن لصاحبى الشاب الكفيف الأصم الأبكم الذى ابتلاه الله في الدنيا ليكون فى الآخرة مع سيدنا أيوب عليه السلام فى رفقة النبيين والصديقين والشهداء.
|