السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
     

ÇÓã ÇáãÞÇáÉ: لماذا الهجوم على ماضى الأمة العربية وتراثها....؟
ÇáãÄáÝ: د. محمد داود
New Page 1

لماذا الهجوم على ماضى الأمة العربية وتراثها....؟

 دعوة الحق

 نشره مجلة العربى فى العدد 223 موضوعًا للمناقشة تحت عنوان: الماضى ... معروضا (1) للبيع! بقلم الأستاذ فهمى هويدى, وفى عددها الأخير 234 بتاريخ جمادى الأولى 1398 (مايو 1978) نشرت ردا ضمنيا على ذلك المقال للأستاذ الكتانى بعنوان: (لماذا الهجوم على ماضى الأمة العربية وتورثها؟) ونظرا لأهمية هذا المقال استأذنا فضيلة الأستاذ المذكور فى إعادة نشره فزودنا بنص الرد الأصلى على مقال الأستاذ هويدى وفيه زيادات هامة على المقال المنشور بمجله العربي.

لاحظت وتتبعت باهتمام بداية الهجوم المخطط على تراث الأمة العربية الإسلامية منذ سنوات عديده واستطاع المهاجمون أن يجعلوا جمهورا من المتعلمين والطلبة, يعتقدون بأن التراث العربى يمثل أحد المشاكل التى تعرقل تقديم الأمة العربية وأخذ هذا الهجوم يتسع شيئا فشيئا ويمتد من الصحافة الى المحاضرات ومن الكتب الى حلقات الدروس فى المدارس الثانوية والكليات واحيانا يتسرب الى الاذاعة والتلفزه برفق وهدوء ومع مرور الأيام يكبر هذا الوهم, ويصبح تراثنا فى نظر المئات الآالاف من تلاميذنا فى الثانويات ,وطلبتنا فى المعاهد والكليات, وشبابنا والمتفرنس أو المستغربين المستلب, ليس فقط مشكله يجب التخلص منها, وإنما تمتليء نفوسهم بالحقد والكراهية له,_ ومن جهل شيئا عاداه_ بعد أن تجسدت فيه الخطيئة, ونسب إليه الجمود والتخلف وقد تتبعت هؤلاء المهاجمين فإذا هم ينتمون إلى أربع فئات

 1. فئه اليسار العربى الظاهر.

 2. فئه اليسار العربى المستتر.

 3. فئه اليمين العربى المستغرب(أو المستلب).

 4. فئه الشعوبيين الجدد المستترين .

 وقد يكون اليسارى أو اليمينى هذا شعوبيا أيضا. وتختلف أساليب الهجوم على التراث باختلاق هذه الفئات, واختلاف المراكز الاجتماعيه والثقافيه لأفرادها واختلاف أوضاع بلدانها السياسية أحيانا نجده صريحا وعنيفا, وأحيانا أخرى يتسم بالمرونة والاعتدال واستعمال الاستعارات البلاغيه, كان يطلق على التراث((الماضي)) من باب إطلاق المحل وإراده الحال ولكن السمه الغالية فى هذا الأسلوب, عند أغلب الكتاب, هى المبادرة بإظهار حسن النيه تجاه الماضى والتنويه بأنه يحتوى على جوانب مشرقه وإيجابيه فى تاريخنا, يجب أن نتمسك بها ونحافظ عليها على أن نتخلص من جوانبه المظلمة وسلبياته.!

 يقول الأستاذ هويدى مثلا:((لكن الاعتراض الوحيد هو أن يتحول الماضي_والتراث جزء منه_إلى عبء يثقل كاهلنا, ويعوق تقدمنا إلى الأمام من ناحيه, ثم أن تكون كل حركتنا محصورة فى هذا,بحيث ندير ظهرنا للعالم,الأمر الذي يحجب عنا رؤيه الحاضرأو المستقبل.

(( إذا ثبت حقاأن كل حركتنا محصورة في هذا الماضي,أي في اجترار التراث!,وأننا فعلا أدرنا ظهرنا للعالم,أي للحاضر والمستقبل,حاضر الحضارة الغربية ومستقبلنا معها,يجوز حينئذ الإدعاء بأن هذا التراث قد تحول إلي عبء يثقل كاهلتا ويعوق تقدمنا,ولكن هذه المقدمة غير صحيحة علي الإطلاق,وهذه بعض الحقائق الغنيه عن كل بيان:

 1) نظام التعليم فى العالم العربى والإسلامى من المدارس الابتدائية حتى الجامعات هو نفس النظام الغربى بنفس المناهج والمواد والحصص تقريبا ولا يمثل عدد طلبة المعاهد الاسلامية التقليدية (جامعة الازهر بمصر وجامعه القرويين بالمغرب والجامعة الإسلاميه بالمدينه المنورة, ومعهد الزيتونة بتونس)بالمقارنه مع عدد الطلبة العام فى العالم العربى الا نسبة ضئيلة لا تكاد تذكؤ

 2) مواد اللغة والثقافة العربية فى التعليم الثانوى والعالى العصرى اختصرت كما وكيفا فلم يعد المحصل على الثانوية العامة وطالب الجامعة, يستطيع أن يكتب بضعه أسطر دون أخطاء إملائيه او لغوية او نحوية, أما المواد الإسلامية فقد جمعت كلها (فى التعليم الابتدائى والثانوي) فى حصه واحدة بعنوان:التربيه الإسلاميه لا تتجاوز 45 دقيقه فى الأاسبوع وهى مسبعدة مع ذلك من الامتحانات العامة, ولذلك لم تعد تخطى بأى اهتمام من لدن التلاميذ ولا المعلمين وماده الفلسفة جردت تماما من أى شيء اسمه الفلسفه الإسلاميه او الفلاسفه المسلمين, وبرنامجها عبارة عن ترجمة للبرنامج الفرنسى مثلا مع إعطاء الأهميه الكبرى للفكر الماركسى الإلحادى, والحاصلون على الباكالوريا فى المغرب مثلا, مثل زملائهم بفرنسا, لا يعرفون شيئا عن الفارابى وابن سينا وابن رشد والكندى والغزالى وابن تيميه! ولا يعترفون بوجود فلسفه إسلاميه

3) أغلبيه القوانين فى هذا العال_حاشا المملكة العربية السعودية _مقتسبة ومستمدة من القوانين الغربية والفرنسية بصفة خاصه ولم تستطيع التخلص من سيطرتها حتى اليوم

 4) اغلبيه الذين يتحكمون فى مصير العالم العربى سواء فى الحكومات أو الأحزاب أو المؤسسات الأقتصادية والثقافية درسوا فى المدارس والجامعات العصرية ذات النظام الغربى فى بلدانهم أو فى الدول الغربية وسائل الأعلام المقروءه والمسموعة والمرئية فى هذا العالم تنقل وتترجم كل ما تصل إليه إمكاناتها عن حركه الغرب والشرق الثقافية والاقتصادية والعلمية وهذا فضلا عن الكتب والصحف والمجلات والأفلام والمسجلات الغربية الاجنبية التى تغزو أسواقنا وقاعاتنا السينمائية بل هى فى بعض هذا العالم كبلدان المغرب العربى تفوق كما وكيفا واستهلاكا الأنتاج الوطنى اضعافا مضاعفة أين هو أذن فى حياتنا اليومية هذا التراث الذى اثقل كاهلنا,وعاق تقدمنا؟.!

 باستثناء المعاهد الإسلامية المذكورة, وخزائن المخطوطات والمكتبات والمتاحف الوطنية, فأن شيئا من هذا التراث لا يكاد يعيش معنا, لا فى بيوتنا ولا فى مدارسنا ولا فى محاكمنا ولا فى مكاتب عملنا أو مصانع انتاجنا أو مجالات نشاطنا ولهونا!

 ومن حسن الحظ أن الأستاذ هويدى لم يذكر لنا وهو يهاجم التراث, كتبا مثل دليل الخيرات وقرعة الأنبياء والروض العاطر وأنما اهتم بالدرجه الأولى بسيره النبى محمد صلى الله عليه وسلم لابن هشام, وتفسير الطبرى, رغم أنهما لا يدرسان ولا يستعملان كمراجع إلا للمخلصين فى المعاهد الإسلامية ذلك لأنهما يدخلان فى صميم أهداف المخطط الخاص بمحاربة التراث, إذ هما مصدرا التراث, ولن الشيء الذى لم افهمه شخصيا هو الهجوم على (تهذيب)فيض الخاطر لأحمد أمين ((وتهذيب)) ((وحى الرسالة))لأحمد حسن الزيات هل هو فقط لتبرير وتمرير الهجوم على السيرة والتفسير؟, ام الامر يتعلق بشخص الكاتبين الكبيرين, بأعتبار انهما من انصار وناشرى التراث العربى الاسلامي؟!

 ويضيف الأستاذ هويدي: فى الجامعات نجد الظاهرة ذاتها, رسائل الماجستير والدكتوراه يغوص أكثرها فى الماضى بصورة تثير الدهشه ,وأخر صيحه فى هذه الرسائل هى ان تبحث عن مخطوط قديم وتقوم بتحقيقه))؟ هل يمكن حقا أن يتجاوز مثقف عربى أبسط التقاليد العلميه المتبعه فى المغرب نفسه, أو ينظر لها باحتقار ,ليقف بصورة صلبة وحاقدة ضد التراث لهذه الدرجه؟.!

 أن قبول تحقيق كتب التراث الاسلامى فى الرسائل الجامعيه تقليد أخذناة وتعلمناة من أساتذة الجامعات الغربية, والمستشرقين الذين حققوا ونشروا من كتب تراثنا فى المشرق والمغرب الشيء الكثير, وإذا كنا نعلم بأن هناك أكثر من ثلاثه ملايين مخطوط عربى بينها آلاف من الذخائر التى لا تقل شأنا عن أكبر الإنجازات العلميه فى حضارتنا الاسلامية العالمية, لم تنشر حتى الآن فكيف نستكثر على بعض الباحثين الجامعيين فى كليات الآدب خاصه, أن يدرسوا ويحققوا بعض هذه الذخائر فى إطار فروعهم التخصصيه, وبهدف التوسع والتعمق فيها, ومعاناة التجربة التى مر بها عالم كبير متخصص قبلهم فى هذا الفرع من المعرفة, وتقييمهم لها؟.!

 الهدف الإيديولوجى من الهجوم على الماضي: لن أقوم فيما يلى بعرض مبهم ومتهم بالمبالغة, أو بالتحريف والتأويل لشرح الأهداف الحقيقيه من الهجوم على الماضى, ولكنى سأقتصر على وقائع, ونماذج ونصوص ربما كانت أقوى دليل فى هذه المنافشه, وأحب أن أطمئن الأستاذ هويدى بأن الرسائل الجامعيه بدأت هى الأخرى تتخلص من التراث, وتهاجم الماضى فمنذ أقل من سنتين كان زميلنا فى كليه الآداب المرحوم الدكتور زكريا إبراهيم بقطر(2)عضوا فى لجنه مناقشه أحدى رسائل الماجستير, وقد جاء فى نقده, مما يتعلق بتصميم موضوعنا, ويشير إلى أهداف الهجوم على الماضى, قوله: "....ولكن الطالب حين يتحدث عن فكر المرحوم علال الفاسى الذى يعد العوده إلى الماضى بمثابه ضرب من (التحرر) ,نراه يأخد على المفكر الفلسفى الكبير أنه لم يدعنا إلى (تصفيه الحساب مع الماضى, والتحرر منه)؟

 ويتساءل المرء:كيف يطالبنا الباحث بالتحرر من الماضى, وهو يعلم أن هذه دعوى استعمارية استلابية, هدفها قطع جذور الأمة العربية, والعمل على فصل حاضرها عن ماضيها, على شخصيتها التاريخيه؟

 أنا أفهم أن يأخذ على أنصار السفلية المتزمتين محاوله تقليد السلف دون أدنى اجتهاد أوابتكار أو تجديد, ولكن الذى لا أفهمه أن يدعونا الباحث إلى تصفيه حسابنا مع الماضى والتحرر منه, وكأنما هو ينسى أو يتناسى أن الماضى هو ذاكرتنا القوميه, وأن الكائن البشرى (فردا كان أو جماعه)الذى لا تاريخ له, كائن عار لا يجسر أن يظهرأمام الناس!

بل لماذا لا نقول أيضا أن الحاجه إلى الابتكار والمبادرة والتجديد, قد لا تزيد أهميه فى بعض الأحيان, عن الحاجه إلى الابتكار والمبادرة والتجديد, قد لا تزيد أهميه فى بعض الأحيان عن الحاجه الى التأصيل والاتباع والتقليد؟,أن المسأله ليست مسأله أو تجديد اتباع أو إبداع أعتراب أو أغتراب بل المسأله هى مسأله (وعى مستبصر)يعرف(ماذا يقبل),و(ماذا يرفض)و(لماذا يقبل)و(لماذا يرفض)؟.

 ولسنا نعرف فى تاريخ البشرية الطويل أمة واحدة وجدت فى كل ماضيها مجرد سلسلة متلاحقه من الصور القاتمه, كما أننا لا نكاد نلتقي_فى كل تاريخ المجتمعات_بمجتمع واحد رفض كل تراثة, لمجرد أنه يريد إحداث تغيير جذرى حاسم!,والحق أن الثورة ليست ثورة على الأسلاف بل هى ثورة على رواسب التخلف أينما وجدت ولم يكن الأسلاف جميعا دعاة جمود, أو أهل تخلف بل لقد كان منهم دعاه التغيير وأهل التقدم!,وما ذنب الأسلاف إذا كنا نحن أبناءهم لم نعد نعرف كيف نواجه ظروفنا بما تتطلبه المواقف الجديدة من حكمة, وتعقل ومرونه؟.! ....

إن المثقف العربى الذى يشعر اليوم بالاستلاب إنما هو ذلك الإنسان المزدوج الذى يحيا التمزق العميق بين عالمين حضاريين ويتنازعان فكرة وقلبة ,ولكننى أعتقد إن كل مفكر عربى يرى فى الحضارة الغربية تراثا إنسانيا شارك فيه العرب أنفسهم ,كما شارك فيه الأوربيون ,لن يجد نفسه صريعا لأى شعور بالاغتراب ,بل سيجد نفسه منفتحا على هذا التراث,مستعدا للتواصل معه واثقا من أن التقدم الحضارى حق إنسانى لا شأن له بخطوط الطول والعرض ,ولا علاقه له بمسائل الجنس والدين واللون))(30) لقد كان المرحوم زكريا إبراهيم مثالا للعربى المسيحى المخلص لأمته وتاريخه ووطنه ومهمته العلمية ,وكان شجاعا فى شرح الحقائق ,رغم انه كان يعلم أنه أغلبيه الحاضرين للمناقشه من الطلاب والأساتذه جاؤوا لتشجيع أنصار الاتجاه اليساري.

 ولتذكير الشباب العربى اليسارى بأنه عندما يهاجم ماضى أمته ويدعو للتخلص منه باسم التقدمية والمعاصرة ,إنما يقع فى فخ ((الدعوة الاستعمارية الاستلابية)) التى أشار لها الدكتور زكريا إبراهيم أعود ربع قرن إلى الوراء ,لأقدم شهادة أخرى لعالم مجاهد شهير,عاش مرحلة تحرير الجزائر ضد الاستعمار الفرنسى طيلة حياتة,وعانى من أساليبه ومكره الشيء الكثير,أنه الشيخ البشير الإبراهيمى الذى جاء فى خطاب له أمام وفود الدول العربية والإسلامية لمنظمه الأمم المتحدة بباريس يوم 29يناير1952: (يقول المستعمرون عنا حين نعتز بتاريخنا وأسلافنا بأننا نعيش فى الخيال,ونعتمد على الماضى السحيق ونتكل علب الموتي,يقولون هذا عنا فى معرض الاستهزاء بنا, أو فى معرض النصح لنا_ومتى كان إبليس ناصحا؟

_ونحن نعلم ما يرمون إليه,إنهم يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماض حتى إذا استيقظنا من تنوميهم ونومنا ,لم نجد ماضيا نبنى عليه حاضرهم ,وهو كل ما يرمون إليه.

 لكن سلوهم هل نسوا ماضيهم؟إنهم يكذبون ,فم يبنون حاضرهم على ماضيهم,ويعتزون بآبائهم وأجدادهم ,ويخلدون رجال الفكر والأدب والفلسفه والجنود الفاتحين,وهذه شوارعهم (وشوارعنا التى سموهاهم )تشهد...أنهم يذكرون أبناءهم بماضيهم,ويلقنونهم أعمال أجدادهم ,ويذكرون أبناءنا المتأثرين بعلومهم وفلسفتهم بذلك,ويأتنهم بما يملأ عقولهم وأنفسهم حتى لا يبقى فيها متسع لذكريات ماضينا وأسلافنا ,أن الواحد من هذا الصنف من أبنائنا ليعرف الكثير عن نابليون,ولا يعرف شيئا عن عمر ,ويحفظ تاريخ (جان دارك)ولا يحفظ شيئا عن عائشه وخديجه ,إنها الخساره التى لا تعوض(4).

 وفضلا عن ذلك فإن الماضى ليس ذكرى وإنما هو تيار حضارى ,وقد شرح هذه الفكره جون بادو أحد مؤلفى كتاب (عبقريه الحضاره العربيه)الصادر أخيرا فى إنجلترا,فبعد أن تحدث عن العالم العربى المعاصر,وشخصيته السياسيه,وتحرره من قيود الاستعمار ,وقدرته على استيعاب الحضاره العلميه والتقنيه الحديثه,أضاف قائلا: "فى ظل هذه الحداثه يبدو الماضى العربى وفالعربى ككل إنسان لا يستطيع ان ينكر تراثه ,ولا أن يهرب من ماضيه, الماضى يعيش معنا دائما لا كمجرد ذكرى وتاريخ,ولكنه تياريسرى ويتدفق فى تصرفات الشعوب حتى ولو لم يشعروا بهذا أو ينتبهوا إلى تأثيره العميق.

 الواقع أن الماضى العربى ليس ذكرى يعتز به الأبناء ,ولا تاريخا تروى قصصه المجيده لجيل يعشق الاستماع إلى الحديث عن هذا المجد التليد ,ولكنه تيار حضارى يحمل معه دروسا يجب ان نتعلمها ,ويحمل معه ذخائر تثرى من ورثوا هذا التراث. ثم يروى جون بادو قصه هذا التيار الحضاري,بعد ذلك فى حديث طويل.

 أن الباحث الاجتماعى الموضوعى لا يحتاج إلى تفكير عميق لكى يدرك أسرار المخطط اليسارى ,المطعم بالنصائح والتجارب والإستعماريه للهجوم على ماضى الأمه العربيه الإسلاميه وتراثها ,وقد ظهر الهجوم الصريح على الدين وعلى القيم والمباديء الإسلاميه وانتعش فى عهود الاستعمار الغربى القديم ,ولكن الاستعمار الجديد,والماركسيه العالميه,استبدلاه بالهجوم على التراث ,فى صيغ ثقافيه مختلفه. واكتفى هنا بنقل فقرات صريحه فى تحديد اسلول أهداف الإيديولوجيه الماركسيه من هذا المخطط,للأستاذ عبد الله العروى الذى طالب المثقف العربى بأن ينفلت نهائيا من غزو العمل السياسى التقليدى السهل ,(اى ان يرفض المداراه ,وينفذ إلى الجذور)ويتصدى لحرب إيديولوجيه لا هواده فيها,لقد كانت المواجهه الثقافيه الإيديولوجيه دائما هادئه لأنها ميدان تعايش سلمى ,على أساس عباده المقدسات المطلقه,هذا الهدوء يجى أن ينتهى ويخلفه صراع متواصل ,أن اجتثاث الفكر السلفى من محيطنا الثقافى ,يستلزم منا كثيرا من التواضع ,ورب معترض يقول: _ستكون حينئذ ثقافتنا المعاصره تابعه لثقافه الغير.!

 _فليكن,إذا كان فى ذلك طريق الخلاص,سنؤذى بذلك ثمن سباتنا الطويل,وتقهقرنا المتواصل,واتباعيتنا (سنيتنا)المركبه تقاعسنا طويلا إزاء تقديس اللغه والتاريخ والتراث,لنتقبل فى هذا الميدان أيضا حريه الدرس والنقد)(5)

 وفى ندوه علنيه بالرباط لمناقشه كتاب (النقد الذاتي) للمرحوم الأستاذ علال الفاسي,قال الأستاذ عبد الله العروي ".....إن الحركه السلفيه عندما ركزت على فكره الرجوع إلى السلفيه عندما ركزت على فكره الرجوع إلى السلف ,ركزت فى نفس الوقت على نمط واحد,أى أن هناك حقيقه تنزل من السماء على بعض الأفراد,ورغم كل مجهودات الحركه لم يتحرر المجتمع الإسلامى من هذا النمط فى الفكر,وبقى نمط الوحى مسيطرا على جميع مظاهر الحياه الاجتماعيه لا احد يناقش هل هذا النمط أحسن من غيره,نقول فقط هل (الوحي)هو أساس التخلف أم لا؟...

لكننا قد اقتنعنا إذا أردنا التقدم ,فلابد من إقصاء هذا النمط من التفكير,لكى لا يقول لنا أحد أدرى بمصالحكم(6) هذه العبارات صريحه,ولا تحتاج إلى تعليق,فالتراث أو الماضى عند هؤلاء ,لا يعنى من حيث الزمن ,عصور التخلف الأخيره فى حياه المسلمين ,بل هو يمتد إلى ظهور الإسلام ونزول القرآن!

ومن حيث المحتوي,لا يعنى فقط المعوقات والسلبيات التاريخيه,بل يشمل أساسا عناصر اللغه العربيه,والتاريخ الإسلامي,والتراث بصفه عامه,أى جميع مقومات الأمه العربيه,نظرا للترابط العضوى الموجود بينها,فاللغه العربيه هى لغع القرآن ووعاء الدين الإسلامى الذى سيظل حيا بحياتها,والتاريخ هو أساسا تاريخ الاسلام وحضارته العالميه,كما أن التراث العربى يعنى فى الطليعه الإنتاج الفكرى الذى انبثق عنها,وهذا الترابط اضوى جعل مفكرى الماركسيه العرب يعتقدون بأنه لا يمكن التخلص من الإسلام بدون التخلص من اللغه التى نزل بها القرآن,أو من تقديسها على الأقل,ولا يمكن التخلص من هذه اللغه,ولو جزئيا,إلا بالانفصال عن تراثها التاريخي,وهذا (البيان المركب)والواجهات الثلاثه,هو مايسميه العروى بالقوميه الثقافيه,ويطالب بتحطيم قداستها,واجتثاب أصولها ومنابعها من محيطنا الثقافي.!

 وبنفس الصراحه,يشرح العروي,مره أخرى أهداف الهجوم على التراث والثقافه القوميه,لإحلال((الثقافه الجديده)) الماركسيه محلها قائلا: "...هل يجب أن يحتل مشكل السيطره الثقافيه محل الصداره,على حساب مشكل الاستيلاء على الحكم؟,أننا لا نرفض هذا الاستنتاج,ولكن من يزعم أن الهدف يختلف فى الحالتين؟,ومن منا يقول أن المعركه الثقافيه أسهل من المعركه السياسيه؟,الواقع أن السيطره الثقافيه لن تتحقق للماركسيين بسرعه ولابيسر,وإذا ما تحققت فستعطى للمطلب السياسى صبغته الشرعيه..

وستأصل هذه المطالبه فى تطور مجتمعى شامل نحو المعاصره,وسيكون نصيب الماركسيين فى إنجاز هذه المعاصره وافرا أن اللذين يكدون ويجتهدون لكى تنقل معاداه الرأسماليه,ومعاداه الاستعمار,ووحده الأمه,من إطار (دينى قومي)إلى إطار (تاريخى طبقي)يخدمون فى آن واحد تطلعهم نحو السلطه والكونيه الفعليه))(7)

 إنه موقف إيديولوجى صريح لأستاذ يسارى آخر من التراث,ومن الماضي... المحنط..والمعروض للبيع!

.وهذا هو الفارق بين اليسار المغربى واليسار المشرقى الذى يتسم فى نظر اليسار المغربى بالضعف والزيف,وأحب أن أذكر هؤلاء وأولئك معا,بالحقائق التاليه:

 1. التراث الإسلامى هو الذى جعل الجهاد والمقاومه ضد المستعمرين والمستبدين والظلمه,جزءا من عقيده المجتمع الإسلامى وأخلاقه,وبفضله قام هذا المجتمع الصلبيين والمغول والتتر والمستعمرين القدماء والجدد,واسترجع حريته من جديد,فى المشرق والمغرب

 2. هذا التراث ليس مفروضا على أحد ,يباع فقط فى السوق الحره,ويعيش محاصرا فى مجال ضيق,فلماذا تثورون وتتضايقون من طبع بضعه آلاف نسخه من سيره الرسول عليه السلام أو من تفسير القرآن,ولا يكون لكم نفس الموقف من ملايين النسخ التى تنشر بأشكال مختلفه,عن حياه ماركس ومذهبه؟؟

 وكيف تسخرون من نشر بعض كتب الأدب العربي,ثم لا تقولون شيئا نملايين النسخ التى تخرجها المطابع العربيه(واغلبها مترجم)من الكتب المدرسيه,وكتب الإيديولوجيات والاتجاهات المعاديه,التى تزيف وتشوه حقائق التاريخ العربى الإسلامى فى المشرق والمغرب,وتغذى الحقد والكراهيه لهذا التاريخ,وتنشرالإلحاد,وتسعى لتعميق الخلاف والعداء بين أبناء الأمه العربيه ,فضلا عن قصص الجنس والاجراء التى تنشر الإباحيه والانحلال والعنف؟.!

 3. التخطيط الفكرى والعلمى لبناء المستقبل,والاهتمام به فى جميع الميادين,وعلى سائر المستويات,تقع مسؤوليته على رجال الحكم,وقاده الفكر والعلم الجامعيين,فإذا قصر أو تخلف هؤلاء عن دراسه علوم المستقبل,فهل من المنطق والعدل أن نصب جام غضبنا على الذين استمروا فى دراسه علوم الماضي؟.!

4. الصراع المرير والطويل بين العالم العربى الإسلامى وبين أعدائه هو أساسا صراع من أجل المستقبل ,وكل تخطيطات هؤلاء تهدف لضمان استمرار سيطرتهم الاستعماريه_الصلبيه مستقبلا ,وبث الألغام وطريق تقدم هذا العالم ووحدته,وأشغاله بمشاكل حاضره عن التفكير فى بناء مستقبله,من ذلك مثلا:

أ‌- أن التفكير فى تجميع يهود العالم وإنشاء دوله يهوديه على أرض فلسطين منذ سنه 1840 (8) كان تفكيرا وتخطيطا من أجل هذا المستقبل

ب‌- وأنالتآمر على الإمبراطوريه العثمانيه ,وإثاره الفتن والاضطرابات الطائفيه والعنصريه لإضعافها,وتفكيك أوصالها من الداخل,كان عملا مخططا من أجل هذا المستقبل

ج- وأن وقوف العالم كله ضد الوحده العربيه (9)سواء منه الدول الصناعيه الأوربيه أو الدولتان الكبيرتان الولايات المتحده والاتحاد السوفياتي,هو ايضا من مخططات ضمان مستقبلها

 د- وأن الغزو الفكرى واللغوى والمذهبى لشعوب العالم العربي_ الإسلامى ,لم يهدف فقط لتفكيك وحدتها القتئمه على أساس مذهبى اشتراكي, وعلى اساسوطنى جغرافي,وعلى أساس اقتصادى سياسى هذا الغزو المتعدد الاتجاهات والأعماق كان نتيجه تفكير طويل ,وعمل دائب لعقول علميه خططت لضمان مستقبل دولها ,ضد خطر قيام أيه وحده,من أى نوع,للعالم العربى أو الإسلامى وضد نهضته وتقدمه فى المستقبل القريب فهل يعتقد الذين يحملون معاولهم اليوم,للمساهمه فى هدم ماضى أمتهم,والتخلص من تراثها ,أن هذه الطريقه هى الخطه المثلى لبناء مستقبلها ,وإظهار الغيره والاهتمام بهذا المستقبل.؟!

 وأخيرا يقول الأستاذ هويدى أن العقل العربى أعطى إجازه رسميه منذ أغلق باب الاجتهاد وأنا أسأله:من أغلقه؟وبأى منطق أو نص؟.! إن اتهام العقل العربى بالعجز والقصور عن مسايره العقل الأوربى سيكون حينئذ نزعه عنصريه أو شعوبيه ,وفى نفس الوقت لا يستطيع مؤرخ منصف أن يهتم الأسلام بأنه سبب قصور أو عجز العقل العربى ,لأن الإسلام هو الذى حرر العقل العربى ,وأخرج العرب من جزيرتهم ليقوموا بأداء رسالتهم الحضاريه شرقا وغربا, خلال عصور طويله من التاريخ ألم يكن من الحكمه والموضوعيه ,والبعد عن ردود الفعل الشخصيه والعاطفيه,أن تشغل وقت المفكرين والباحثين بالإجابه مثلا عن الأسئله العلميه التاليه:

 ماهى عوامل المجتمع العربى الداخليه والخارجيه؟

 ما هى ((مخططات ))أعدائنا لاستمرار هذا التخلف؟

 كيف نضع((مخططات مضاده)) لمواجهتها؟وكيف نطبقها؟

 بدل أن نشغله بالسخريه الرخيصه من تراثنا وماضينا,وترديد سخريات أعدائنا من مواقفنا الاجتماعيه والدينيه (الدين....أو السكين؟)؟.!


 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©