ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
كفانا فرقة
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 1
كفانا فرقة
د. محمد داود
من أخطر ما أصيبت به الأمة، وجَرَّ عليها المحن والكوارث، داء الفرقة والتنازع. ومن المؤلم أن العالم كله يعيش عصر التكتلات العسكرية، والاقتصادية، والعرب يزدادون تشتتًا وفرقة.
لقد رأينا الاتحاد الأوروبى ينمو حتى أصبح يضم (23) ثلاثًا وعشرين دولة لها عملة واحدة هى اليورو ومصالح مشتركة وحدود مفتوحة ... إلخ, على الرغم من تعدد لغات هذه الدول لكنهم أدركوا أنـهم لن يستطيعوا أن ينتزعوا لأنفسهم مكانًا لائقَا بـهم إلا بالوحدة.
أما نحن العرب فعلى الرغم من توافر أسباب ودواعى الوحدة إلا أننا نزداد فرقة وتشتتًا !! نونـدر وحدة اللغة والدين،وهذه الثروات التى حبا الله بـها بلادنا .. وكثيرًا من أسباب القوة والوحدة ..
إننا لم ننهض ولو على مستوى التعليم فنبدا بتوحيد المناهج كى تكون خطوة لتوحيد الفكر.
فلا القلوب اجتمعت ولا العقول تقاربت، والنسب المئوية لحجم التجارة الخارجية لا تتجاوز 2% وحتى سوق العمالة لم نستطيع توظيف الثروة البشرية العربية ... إننا نـهدر كل شىء!
وتتساءل الشعوب: لماذا؟
- هل لأن مستوى الأنظمة العربية ليس على مستوى طموحات الأمة العربية؟
- هل لأن الأنظمة العربية استبدادية وليس من حق الشعوب محاسبتها؟!
- هل لأن الأنظمة العربية أوصياء على الشعوب لصالح الدول الكبرى؟
- هل الشعوب هى الداء الكامن وراء تخلفنا وتفرقنا؟
- أم أن الخلل فينا جميعًا شعوبًا وأنظمة؟!
مهما يكن من أمر فإن هذا اللغز يبحث عن حل.
وهنالك رؤى للحل، كل رؤية تمثل جانبًا من جوانب هذا الحل الذى يحقق للأمة وحدتـها.
ورؤية الدين أساسية فى هذا الجانب لأن الدين له أكبر الأثر فى التغيير، وبخاصة أن شعوبنا محبة لدينها.
والمتأمل لشريعة الإسلام يرى بوضوح أن الله تعالى وَحَّدنا فى العبادة من خلال صلاة الجماعة والجمعة والعيدين والحج ورمضان وحثنا على التعارض فيما بيننا، قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ
اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا
آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا
وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ
صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى
الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/2.
******************************************************
كما دعانا الإسلام إلى التسامح وولين الجانب، قال الله تعالى: وَاخْفِضْ
جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الشعراء/ 215.
وبـهذا يتماسك المجتمع ليكون دعمًا لوحدة الدولة والأمة، قال تعالى: إِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ الأنبياء/92.
وهذا الهدى الكريم يحتاج إلى إكسابه للناس سلوكًا وفعلاً .. وتحويل الكلام إلى فعل يحتاج منهج وجهد؛ لأن التغير فى الأمم لا يقع فجأة، فأنت لا تستطيع بالضغط على مفتاح بجهاز الحاسوب (الكمبيوتر) أن تنتج شعبًا حضاريًّا وجيشًا قويًّا ونظامًا ديمقراطية .. ومؤسسات قوية ناجحة!!
ولا يقول بذلك عاقل فقد جرت سنة الله فى كونه أن يحتاج التغيير إلى وقت وجهد وعلم ومنهج، وعشرات السنيين فى عمر الأمة ايام.
لذا نحن نحتاج إلى فقه القرآن فى الإصلاح والتربية، وللإعلام دور بارز فى نشر هذه المفاهيم.
القرآن وفقه الإصلاح:
الإصلاح والتغيير لا يحدث في الأمم بين عشية وضحاها، وإنما يحتاج إلى وقت لإنجازه، وتعجل النتائج قد يفسد المشروع الإصلاحي.
فالحديث عن الطفرات والتحولات الفجائية لون من هياج المشاعر بانفعالات مندفعة متهورة لا يحقق تقدمًا، وإنما هو ضرب من الأحلام والأوهام.
وهذا درس قرآني علمه سيدنا عمر بن عبد العزيز لولده لما طلب من أبيه أن يتعجل الإصلاح والتغير فقال له: يا أبت ما لك لا تنفذ الأمور، فوالله لا أبالي إن غلت بي وبك القدور !!
فكانت حكمت سيدنا عمر بن عبد العزيز حيث لفت انتباه ولده إلى سنة التدرج فقال له: لا تعجل يا بنى؛ فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيردوه جملة وتكون فتنة.
كيف لا والقرآن يؤكد لنا سنة كونية مطردة في خلق الله للعالم وللإنسان، قال تعالى:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ
نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا
الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
الْخَالِقِينَ المؤمنين/12:14.
بل إن التدرج كان سنة مرعية وسارية في العبادات والشعائر، فالصلاة اكتملت فرضيتها في السنة الثانية قبل الهجرة في ليلة الإسراء والمعراج، والصوم فرض في المدينة، وكذلك الزكاة والحج. وتدرجت أحكام الخمر: من الذم لها إلى التحذير منها إلى تحريمها.
وكان تحريم الربا في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن تأهل الواقع وتأهلت الأمة لهذا المنهج الرباني.
إننا لن نبلغ المقدمة والنصر والتمكين بالأماني والأحلام، وإنما بالعمل، ولن يكون بلوغ الهدف فجأة، وإنما يحتاج إلى وقت وتدرج دون تعجل للنتائج ودون اندفاع أو تـهور.
القرآن وتربية النفس:
الإصلاح والمداواة قبل العقاب والمجازاة .. حقيقة يقوم عليها منهج القرآن في تربية للنفوس حيث يركز القرآن على غرس حب الفضائل وبغض الرذائل في النفوس؛ كي يكون الخير نابعًا من داخل النفس الزكية وليس مفروضًا عليها بقوة من خارجها، فيقظة الضمير وتربية الإحساس بأن الله رقيب علينا أمر أساسي في تربية القرآن للنفس، ومن الآيات التي نجد فيها هذه الحقيقة قول الله تعالى:
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الملك/13.
وبـهذا حول القرآن مجتمع الهمجية والعدوان إلى مجتمع آمن يأمن فيه الناس على أعراضهم وأموالهم.
وتتأكد لنا هذه الحقيقة حين نتأمل واقع الجريمة والفساد في عالمنا المعاصر .. هل نجحت المؤسسات العقابية في السيطرة على الجريمة؟ أم أن الإجرام قد طوَّر من نفسه كى يستطيع الإفلات من العقاب؟
- فكم من مجرم احتاط لنفسه واحتال لإخفاء معالم جريمته !
- وكم من جرائم ترتكب في السرّ لا يصل إليها شرطي ولا قانون !
- وكم كان للحيل القانونية والتزوير دور في التحايل على أركان ثبوت الجريمة، وانقلب الحق باطلاً والباطل حقًا!
وفى إطار هذا الجو الملوث نشأت عقليات إجرامية خطيرة، لها مكرها وحيلها ووسائلها في إخفاء معالم الجريمة، وحتى أولئك الذين لم يفلتوا من العقاب خرجوا من السجون أشد إجرامًا.
وستزداد الجرائم خطورةً وانتشارًا إن لم تعالج مصادرها في النفس كما أمر الخالق النفس في القرآن، وسبحان الله القائل:
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا الشمس: 7-10.
وهدى القرآن الكريم في تزكية النفوس لا يصادر الغرائز وإنما يهذبـها ويجعل لها وسائل إشباع من الحلال، كما يربى القرآن في النفس القدرة على التحكم في المشاعر والسيطرة على الانفعالات الجامحة التي تؤدى إلى ارتكاب الشرور والحماقات.
كما يبث القرآن في النفس روح الإخاء وحب العطاء، ولا يجعل التفاضل بين الناس بلون أو لغة، وإنما بالعمل الصالح.
فما أحوجنا لأن نفسح المجال لمنهج القرآن في تربية النفوس: في بيوتنا ومدارسنا وإعلامنا، كي نحبب الخير إلى أولادنا ونغرسه في نفوسهم لا أن نفرضه عليهم، وأن نقدم الإصلاح والمداواة على العقاب والمجازاة.
والمسئولية الإعلامية:
يصنع الإعلام نجوماً مزيفين، وأبطالاً من ورق فى مجالات شتى، أخطرها فى مجال الدين، حيث تصبح الشهرة هى أرقى المؤهلات العلمية وهى التمّيز، ويحس العقلاء والعلماء أن المسألة هكذا لون من التزوير للحقائق، وخلط للأوراق، وإساءة إلى أصحاب المكانة العلمية والكفاءة الحقيقية وامتهان لكرامتهم.
ويأتى القرآن الكريم ليحدد المسئولية الإعلامية التى تقوم على جناحين:
الأول: نشر الفضائل والحث على الخيرات، وإلى ذلك يشير قوله تعالى
(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر)ِ العصر/١ - ٣
والثانى : بث الوعى وتنميته عن طريق فضح الشرور والآثام وكشفها، كى يسلم منها المجتمع، فدعانا إلى اجتناب الآثام، واتقاء الفتن، وذلك فى قوله تعالى:(
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال/25.
أما التبارى والمنافسة والتقليد الأعمى الفاضح الذى يثير الغرائز، ويخدش حياء المشاهد، ويهبط بالقيم إلى الانحطاط، فكل ذلك يهدم المجتمع ويحرمنا من نعمة الأمن الأخلاقى التى أولاها القرآن الكريم أهمية بالغة فى المسئولية الإعلامية.
كما يركز القرآن الكريم فى المسئولية الإعلامية على الصدق والأمانة، فقد أمر الله نبيه
صلى الله عليه وسلم أن يبلغ ما أنزل إليـه دون تدخل فى الرسالة الإلهية المكلف بتبليغها، فقـال تعـالى:
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/67.
أما أن يتحول الحق باطلاً والباطل حقًّا، والجاهل عالماً، والمسىء مبدعاً، والمنحرف المتطاول مفكراً، وتوزع الألقاب بلا حساب؛ فإننا ندمر عقل الأمة ونخربه.
وخير لنا أن نلتزم المسئولية الإعلامية كما حددها القرآن الكريم إذا أردنا الصلاح لأحوالنا، وصدق الله العظيم فى قولـه الحق:
( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ
أَجْرًا كَبِيرًا) الإسراء/9.
Dr.mohameddawood@yahoo.com
|