ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
علماء يرحلون فى صمت
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 3
علماء يرحلون فى صمت
د. محمد داود
أهل العلم هم ميزان العقول فى الأرض، وعماد الحضارة للأمم، وسبيل رفعة الإنسان، قال تعالى: "( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )المجادلة/11.
ولما أراد الله أن يرفع الإنسان منزلة كريمة فى بدء الخلق لم يكن ذلك بمال أو بجاه وإنما كان ذلك بالعلم: فعلم آدم الأسماء ثم أمره أن يعلم الملائكة هذه الأسماء كى يعترفوا بمنزلته، يظهر ذلك من قوله تعالى: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)البقرة/ 31: 32.
وما أمر الله رسوله النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بسؤال الزيادة من شىء من دنيا الناس إلا العلم، قال تعالى:(وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) طه/ 114.
إن بناء العقول وهدايتها رسالة الأنبياء ... لذلك استحق العلماء العاملون الصادقون أن يكونوا ورثة الأنبياء.
هذه الخواطر ... غلبت مشاعرى لما وصل إلىّ نبأ وفاة عالم كريم وإنسان عظيم وصديق حميم أستاذنا الدكتور/ البدراوى زهران فى أول أيام عيد الفطر لعام 1427هـ رحل فى صمت كما كان يعمل فى صمت، وكأن رحيله فى يوم عيد (يوم الجائزة) دلالة على حفاوة الملأ الأعلى به بعد أن همش مجتمعنا المعاصر (الذى غرق فى ماديته إلى أذنيه) العلماء، لكن ذكرهم مرفوع عند رب العالمين، وقيمتهم عند الله غالية، وقدرهم عند الله عظيم، بما أسدوا إلى الحياة من قيم عظيمة وعلم نافع وتهذيب للنفوس، وكان أستاذنا البدراوى رحمه الله من سدنة العربية بحق، فكم تصدى لافتراءات المستشرقين والمتطاولين على العربية، وكم قدم للمجتمع من باحثين مخلصين، وفوق ذلك كان يفتح بيته وقلبه وعقله لمحبى العربية وبحوثها، وكانت سعادته بالإنفاق على الباحثين تفوق سعادة تحصيل المال عند من يسعون لجمعه.
وكان خبيرًا بمجمع اللغة العربية، وعميدًا لكلية الآداب بجامعة جنوب الوادى. وأشرف على إصدار مجلات تهتم بالطلبة والعربية.
رحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة ... جزاء ما كان يوصينا بأن نرتبط بتراث أمتنا وبقدر وفائه للقدماء دون تنكر لمعطيات العصر.
ومن بين كلماته ومواقفه أنى سألته يومًا: هل تحس بشىء من العتب نحو تلاميذك الذين لم تجد منهم وفاءً فى زمن قلّ فيه الوفاء، فقال رحمه الله: لا، فقلت له لماذا؟ فقال رحمه الله: لكى يكون جهدى معهم خالصًا لوجه الله تعالى.
ثم أردف قائلاً: وأنا أعذرهم فظروف حياتنا المعاصرة صعبة.
رحم الله عالمنا الذى كان يعمل لما صار إليه الآن، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت كما أخبر سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم، ولعل فى رحيله فى صمت يُسكت فينا كل جوانب التهميش لعلماء الأمة، ويلفت انتباهنا إلى نُولى علمائنا حقهم من التقدير والإجلال فهم الأسوة وهم القدوة وهم عماد الحضارة للأمة، وميزان العقول فى الأرض.
Dr.mohameddawood@yahoo.com
|