ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
هويَّة الأُمَّة والوعى بالذات بين التعريب والتغريب
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
هويَّة الأُمَّة والوعى بالذات
بين التعريب والتغريب
د. محمد داود
اشتدَّ صراع البحث عن الهوِّية فى العصر الحديث، خاصة بعد الهجمة الاستعمارية التى أشعلت القوميَّات، ثم جاءت العولمة تبشِّر بعالم تخفض منه الصراعات القومية، وتسود فيه حضارة إنسانيةواحدة، ولم يكن هذا سوى قناع لبسط سيادة الغرب وهيمنته على العالم، وبخاصة العالم العربى والإسلامى بما يملكه من موارد لا غنى عنها للصناعة، ومن أسواق هائلة لترويج منتجات الغرب.
ولقد انكشف القناع وبدا منتحته الوجه القبيح للعولمة، من خلال سلسلة من الممارسات القمعية والحملات الاستعمارية الجديدة، كالاحرب الأمريكية فى أفغانستان، ثم الحملة الأنجلو أمريكيةعلى العراق، والمجازر الإسرائيلية فى فلسطين ولبنان.
فى ظل هذا الوضع الاستعمارى الجديد، يتحتم على العالم العربى والإسلامىِّ أن يتمسَّك بهويته وثوابته التاريخية والثقافية، وأن يَعى بوضوح تامٍّ الفارق الرهيب بين التعريب والتغريب، بين الاستفادة من الآخر، والذوبان فيه.
فالتعريب حركة واعية تهدف إلى الاستفادة بثمرات الأفكار والعلوم، واحتواء تلك الثمرات داخل الإطار الثقافى العربى والإسلامى، وتقتضى هذا أن تكون حركة التعريب مؤسسيَّة لا تقوم على جهودفردية متناثرة، بل على جهود منظَّمة تنهض بها مؤسسات تحتوى تخصصات علمية وثقافيةمختلفة؛ وتمتلك منظورًا فكريًّا يميِّز بين ما هو مناسب لإثراء حضارتنا، وما هوعلى النقيض من ذلك.
وهناك سوابق تاريخية لمثل هذه الحركة المنشودة فى التعريب؛ وهى الحركة التى اضطلع بها المأمون لترجمة التراث الإغريقى والرومانى والفارسى، ولقد كان لتلك الحركة فضل كبير ليس فقط على الحضارةالعربية، بل على الحضارة الإنسانية كلِّها، فلولا هذه الترجمات العربية لا ندثر تراث الفكر اليونانى وضاع فى ظلمات العصور الوسطى.
غير أن الأمر الذى يجب أن نتنبَّه إليه أن حركة التعريب تلك آتت ثمارها؛ لأنها جاءت فى عصر قوة وازدهار للفكرالعربى، فلم يكن هناك خطرٌ ولا تخوُّف من الذوبان فى الآخر أو التأثر البالغ حدَانطماس الهوية وضياع ملامحها.
وإذا كان الفكر العربى ـفى هذه المرحلة ـ يعانى تراجعًا وضعفًا، فهناك خطر الوقوع فى فخِّ الذوبان فى الآخر .. لكنَّ هذه المخاوفَ لا وجود لها مع الوعى بالذات وانتقاء ما يتناسب مع هذه الذات ولا يتعارض مع الثوابت الثقافية والدينية للأمة.
أمَّا الانجراف وراء كل صيحة وترجمة كل شىء دون وجود خُطَّة مرسومة وأهداف واضحة، فهذا هو التغريب المرفوض؛ لما يقود إليه من تأثيرات قد لا تكون ملحوظة، لكنها ـ على المدى الطويل ـسينتج عنها تراجع تدريجىٌّ للقيم والأفكار الغريبة، لا سيَّما وأن للغرب آلته الإعلامية ووسائله التكنولوجية الجبَّارة التى تُمكنِّه من السيطرة فى مجال الفكروالإعلام وغير ذلك.
هذه التفرقة بين التعريب والتغريب ينبغى أن تكون جليَّةً واضحة ونحن ننشىء مشروعنا للاستفادة بثمرات العلوم والىداب والأفكار، ليكون التعريب قاعدة من قواعد النهضة المنشودة، وليس مصدرًالتعويق هذه النهضة.
Dr.mohameddawood@yahoo.com
|