ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
مـن تلبيس إبليس
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
12- مـن تلبيس إبليس
اعتاد رجل أن يعتذر عن ارتكابه المعاصى بأن رحمة الله عز وجل وسعت كل شىء،فاعترضه الحسن البصرى رضى الله عنه. وقال له: هذا من تلبيس إبليس عليك؛ إنما الرحمة للمتقين، ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف/156).
*****
هذا موقف إيمانى يحمل دلالات هادية تعالج وهمًا من أوهام العصاة، وتعالج فهمًا معوجًّا لمعنى الرحمة عند بعض الغافلين حين يتخذون الرحمة سلمًا للمعصية،وسبيلًا للسلامة من العقاب، وحجتهم: يا أخى نحن بَشَرٌ ولسنا ملائكة، ورحمة الله واسعة، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (الأعراف/١٥٦).
والحق أن هذه الأقوال ومثلها من تلبيس إبليس على الناس، وليس معنى سعةرحمة الله فتح باب المعصية أو التهاون فى ارتكابها، فالرحمة ليست عاطفة لا عَقْل معها أو شفقة تتنكر منها؟!
ولقد ضرب الإمام أبو حامد الغزالى ـ رحمه الله ـ مثلًا للذين يتعللون بأنَّ رحمة الله وسعت كل شىء، فلا يبالون مع ذلك بفعل المنكرات وارتكاب المعاصى. قال ـ رحمه الله: لو أن هناك قاعة تسع ألف جالس، ولكن لا يؤذن بدخول هذه القاعة إلا لمن يحمل بطاقة محددة، فإذا رفض بعضهم حمل هذه البطاقة المحددة، وحُرِم من الدخول، هل ذلك عيب فى سعة القاعة أم العيب فى تكاسلهم عن استيفاء الشروط؟! وليت هؤلاء يقرأون الآية لآخرها، قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَ الِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف/156).
إذًا فطريق الوصول إلى رحمة الله تعالى كما توضح الآية هو الإيمان والتقوىوالاقتداء بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤكد هذاالمعنى آية أخرى تشير إلى قرب رحمة الله من المحسنين، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّرَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (الأعراف/56).
وفى المقابل يبين الله فى الحديث القدسى أن العدالة لا تساوى فى عطاء الرحمة بين الصالح والطالح.ويجب أن يتنبه المؤمن إلى أن الرحمة قد تأخذ شكلا قاسيًا وصورة مؤلمة فى ظاهرها فى بعض الأحوال؛فرحمة الطبيب بالمريض مثلا أن يمد المشرط؛ ليست أصل الداء، وقد يدفع الأب ولده إلى المدرسة وإلى العمل فى جو ممطر أو فى حرٍّ وازدحام، ومثل ذلك من الأفعال التى يكونفى ظاهرها الشدة والألم، ولكن يكمن فى باطنها الرحمة، فحين يؤخذ على يد المسىءويعاقب على إساءته لينتظم العمل، فذلك عين الرحمة.
ولا شك أن مجال الرحمة فى الإسلام واسع ممتد، فيكون بالتعاطف مع أهل الاحتياج من الفقراء والمساكين والأرامل والمصابين، والمرضى، ونحو ذلك، ويمتد مجال الرحمة فيشمل مجال الحيوان والطير، فلا نحمل عليه فوق طاقته، أو نتركه بدون طعام ولا شراب، ونحو ذلك.
وفى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشى بطريق فاشتد عليه العطش، فنَزَل بئرًا، فشرب منها، ثُمَّ خَرَج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بَلَغَ هذا مثل الذى بلغ بى، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسَقَى الكلب، فَشَكَر الله له، فغفر له» قالوا: يا رسول الله وإن لنا فى البهائم أجرًا؟ قال r: «فى كل كَبدرطبة أجر».
ورحمة الإنسان بنفسه: أن يلزمها طاعة الله تعالى، وأن يباعد بينها وبين المعاصى، هذا هو مجال الرحمة، أما أن ينتقل مجال الرحمة بوهم فاسد عند بعض الغافلين وبعض العصاة من هذه المساحة الطيبة الودودة التى فيها هذه المشاعر النبيلةالحميمة إلى مجال المعصية، ويتخذ الرحمة؛ لتكون سبيلًا إلى فعل المعاصى، فهذا فهْم فاسد عالجه الإمام الحسن البصرى، ووضح أنه من فعل الشيطان ووسوسته، وقال لفاعله:هذا من تلبيس إبليس عليك.
ولعل الإمام الحسن البصرى رضى الله عنه قد أراد بهذاالمقال: «هذا من تلبيس إبليس عليك» بيان أن الخطورة كل الخطورة تكمن فى أن يستمرالمرء على معصيته؛ بحجة أن رحمة الله تعالى واسعة فينتهى مآله إلى النار، وهذامكمن الخطورة، ولكن على الإنسان أن ينتبه، وأن يبادر بالتوبة والمغفرة حتى يثوب إلى رشده؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَاكَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (المطففين/14)، أعاذنا الله من ذلك المصير.
|