ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
الإيقاع فى القرآن الكريم
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 4
الإيقاع فى القرآن الكريم
• ومصطلح الإيقاع فى العربية مستمد من وقع المطر وهو فى عرف أهل اللغة عبارة عن « اتفاق الأصوات والألحان وتوقيعها فى الغناء أو العزف » (1)
و الإيقاع غير الوزن، وهنا لا بأس أن نشير إلى الفرق بينهما، إذ طالما يختلط الأمر بشأنهما؛ ذلك أن الوزن عندما يتمثل لدى بداية تركيب ما، فإنه «يفتأ قائماً دون أن يصيبه تغيير إلى نهايته، مثله مثل الشكل الميكانيكي؛ في حين نجد الإيقاع أنه خلق جمالي محض»(2).
الإيقاع في القرآن:
• دوافع الاهتمام بإيقاعية القرآن الكريم
هو خروج هذه الإيقاعية عن منظومة أشعار العرب، وما ألفوه فيها، حيث وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة متمثلة في «اتساق القرآن، وائتلاف حركاته وسكناته، ومداته، وغناته، واتصالاته، وسكتاته، ذلك ما يسترعي الأسماع، ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم أو منثور» (3).
إن السمات البارزة في بنية الخطاب القرآني، لهي ذلك الترتيب في الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة كل للآخر مناسبة طبيعية: همساً وجهراً، وشدة ورخاوة، وتفخيماً وترقيقاً، وتفشياً وتكراراً.
وإذا ما رمنا تمثل ذلك بآذاننا؛ بله بوجداننا وإحساساتنا، فلنستمع إلى سورة (العاديات)، وهي تتلى علينا كاملة؛ فما من شك أن أول ما يطرق آذاننا هو تلك الحركات والطرقات المتواليات، كما هو حال «الخيول»، حال ركضها قالباً بقالب.
فلا ريب أن الألفاظ بمنتهياتها المتماثلة في قوله تعالى (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) ( العاديات/1: 11) .
إن المدار في هذه السورة قائم بشكل جلي ومسموع على خاصية الإيقاع؛ وفي ذلك نلفي الرافعي يؤكد على هذه الخصيصة بقولـه: «ولو تدربت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب، مجرى الحروف أنفسها فيما هي لـه من أمر الفصاحة، فيهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضاً، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، متساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان؛ فلا تعذب ولا تساغ، ربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة؛ فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأناً عجيباً، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه»(4)
.
ومصطفى صادق الرافعي، إذ يؤكد هذه الخصيصة لم يفتأ يقدم الشاهد تلو الآخر على ما يذهب إليه، ومن ذلك إيراده للفظة : (النذر) والتعليق عليها. وفي ذلك يقول: « فإن الضمة ثقيلة فيها ـ أي لفظة النذر ـ لتواليها على النون والذال معاً، فضلاً عن جسأة هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته في قولـه تعالى: (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ) ( القمر /36) ؛ فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوق مواقع الحروف وأجر حركاتها في حسن السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال (لقد).
وفي الطاء من (بطشتنا)، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا)، مع الفصل بالمد... ثم ردد نظرك في الراء من (تماروا)، فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء (النذر)، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذا انتهى إليها من مثلها، فلا تجف عليه ولا تغلظ، ثم أعجب لهذه الغنة التي سبقت الطاء في نون (أنذرهم)، وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في (النذر)» (5).
ونرى السيد قطب لا يكتفى بالتلويح عن احتواء النظم القرآني الإيقاعية من باب وصفها السطحي؛ وإنما نلفيه في الكثير من المرات يقف وقفة المتأمل في هذه الخصيصة التي امتاز بها القرآن ومتتبعاً لأسرارها وحقائق تواجدها بشكلها المتميز، وهو لذلك يقول « فأما تنوع أسلوب الموسيقى وإيقاعها بتنوع الأجواء التي تطلق فيها؛ فلدينا ما نعتمد عليه في الجزم بأنه يتبع نظاماً خاصاً، وينسجم مع الجو العام باطراد لا يستثنى» (6) ، وهو – أيضا- يحاول الربط بين جو النص القرآني والإيقاع؛ فيرى بعد تفحص وإمعان أن ذلك الإيقاع ما هو إلا انعكاس للجو العام الذي يطبع الخطاب المدرج فيه، فهو يرى في جو سورة (النازعات)، ذلك الجو المكهرب، السريع النبض، الشديد الارتجاف(7)، والذي ينسجم تمام الانسجام مع إيقاعها، حيث « هذه المقطوعة، السريعة الحركة، القصيرة الموجة، القوية المبنى"(8)؛ كما أنه يرى في جو قوله تعالى:( وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود /41:43)
ذلك الجو المفعم بالرعب والهول والفزع، والذي ينسجم تمام الانسجام مع إيقاع هذا المقطع القرآني، حيث «أن التكوين الموسيقي للجملة ليذهب طولاً وعرضاً في عمق وارتفاع، ليشترك في رسم الهول العريض العميق، والمدات المتوالية المتنوعة في التكوين اللفظي للآية تساعد في إكمال الإيقاع وتكوينه واتساقه مع جو المشهد الرهيب العميق» (9).
ويشير د . صبحي الصالح إلى الإعجاز في نغم القرآن، بقوله: «إن هذا القرآن ـ في كل سورة منه وآية، وفي كل مقطع منه وفقرة، وفي كل مشهد منه وقصة، وفي كل مطلع منه وختام ـ يمتاز بأسلوب إيقاعي غني بالموسيقى، مملوء نغماً، حتى ليكون من الخطأ الشديد من هذا الباب أن نفاضل فيه بين سورة وأخرى. أو نوازن بين مقطع ومقطع. لكننا نومئ إلى تفرد سورة منه بنسق خاص، إنما نقرر ظاهرة أسلوبية بارزة نؤديها بالدليل، وندعمها بالشاهد، مؤكدين أن القرآن نسيج واحد في بلاغته وسحر بيانه، إلا أنه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه!»(10).
وعن اللفظة القرآنية يقول د . صبحى صالح: « تكاد تستقل ـ بجرسها ونغمها ـ بتصوير لوحة كاملة، فيها اللون زاهياً أو شاحباً، وفيها الظل شفيفاً أو كثيفاً... وحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها مثلما تستريح إلى خفة وقعها في قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ...) ( التكوير)
وتقرأ قوله تعالى:( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ) ( آل عمران / 185)، فلا ترى في المعجم غير كلمة «زحزح» تصور مشهد الإبعاد والتنحية بكل ما يقع في هذا المشهد من أصوات... وما أحسب شفتيك إلا منطبقتين استقباحاً واستهجاناً لحال الكافر الذي يتجرع صديده ولا يكاد يسيغه، في قوله: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ...) ( إبراهيم) ، ولا أحسبك إلا مستشعراً عنف لفظة الكبكبة في قوله: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ) ( الشعراء/ 94) حتى لتكاد تتصور أولئك المجرمين يكبون على وجوههم أو على مناخرهم، ويلقون إلقاء المهملين، فلا يقيم أحد لهم وزناً!»(11)
.
ويشيرالدكتور محمد عبدالله دراز التفرّد فى النظم الصوتى للقرآن ، قائلًا : «أول ما يلاقيك ويستدعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم، خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره»(12).
ويضيف د . دراز: « دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلاً بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلاً بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبذ منه مكاناً قصياً لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومداتها وغناتها، واتصالاتها وسكتاتها، ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جردت تجريداً وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب لا تجده في كلام آخر لو جرد هذا التجريد، وجود هذا التجويد»(13).
|