السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
     

ÇÓã ÇáãÞÇáÉ: من الاختلاف رحمة
ÇáãÄáÝ: د. محمد داود


3- من الاختلاف رحمة

د.محمد داود

الاختلاف سُنَّة من سنن الحياة، وهو قيمة من القيم التى حرص الإسلام على تأكيدها، قال الله تعالى: )وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ( هود/118.

والمتأمِّل لأحوال العالمالإسلامى يجد الكثير من الاختلاف، بين مذاهب وفرق وطوائف متعددة، ففى بلد صغير مثللبنان توجد عشرات الفرق والمنظمات (الإسلامية)، مثل: الجماعة الإسلامية، حزب التحرير، جماعة التبليغ، عباد الرحمن، حزب الله، جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية،جمعية المقاصد الإسلامية، التجمع الإسلامى، المجلس الإسلامى... وغير ذلك.

والأمر كذلك فى غالب البلاد الإسلامية.

والشىء الذى يدعو للأسف والأسى أن هذه المذاهب والمنظمات كل منها يحسب أنه على صواب وأن غيره على باطل،مما أدى إلى النزاعات والصراعات الدامية التى عرفناها فى لبنان والعراق وفلسطين والجزائروغيرها من بلاد المسلمين.

وكأن هؤلاء (الإخوةالأعداء) قد غفلوا عن الهدف الأسمى والغاية العظمى، وهى الالتقاء على المبادىءالأساسية للشريعة الإسلامية، وهو أمر واقع بالفعل؛ فما من مسلم ينكر التوحيد أوالنبوات، أو فرضية الصلاة والصيام والزكاة والحج، أو أن السرقة أو الزنا أو القتل حرام.

وراح هؤلاء يضخِّمون أوجه الخلاف الفرعية، التى لا يضرُّ الاختلاف فيها، بل ربما كان مندوبًا وضروريًّا.ولقد أكد أئمة الإسلام فى مختلف العصور على هذا، يقول الإمام النووى (رحمه الله):أجمع علماء الأمة على أن المختلَف فيه لا إنكار فيه.

والمختلف فيه: ما لم يردفيه نص بالحل أو الحرمة، وإنما هو أمر موكل للاجتهاد البشرى، والاجتهاد باب واسعفى الفقه الإسلامى، وهو أساس مرونة الإسلام وبقائه على مدى العصور، وعلى امتدادالأرض، واختلاف الظروف الاجتماعية والبيئية وغيرها.

إن الذين ينكرون الاختلاف إنما يعملون على محاصرة الإسلام وتضييق أفقه الرحب الذى وسع الناس جميعًا مؤمنهم وكافرهم، بل وسع سائر ما خلق الله.

لقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكافرين: )وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ( سبأ/24.

ولقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم  أن يدعو أهل الكتاب إلى الوحدة والاتفاق، فقال عز من قائل:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء( آل عمران/64.

أفبعد هذا الإنصاف للمخالفين فى أصل الملَّة، وبعد هذا الأفق الرحيب- ينكر المسلمون بعضهم على بعض،ويعادى بعضهم بعضًا ؟!

إن هذا لشىءٌ عجاب !!

ولنتأمل فيم اختلف أهل الإسلام من أصحاب المذاهب المتنوعة؟

لقد كان الخلاف الذى أدَّى إلى نشأة الفرق خلافًا سياسيًّا حول الإمامة، أى الحُكم، ولقد صار هذا الخلاف فىذمة التاريخ، فلماذا نعيد بعثه اليوم؟! هل فرغ المسلمون من قضاياهم الجوهريةكالقضاء على التخلف والجهل والجوع والحرمان؟هل حققت الأمة الإسلامية المكانةاللائقة بها بين الأمم؟ هل أخذت بأسباب العلم والحضارة كما دعانا القرآن؟!

إن من يتجاهل الواقع المحزن للمسلمين وينشغل عنه باختلافات فرعية ينفخ فيها حتى تتعاظم فى عينه وتعميه عن رؤية الحق- لايمكن أن يكون انتماؤه للإسلام حقيقيًّا، كيف وهو يدعو إلى التقاطع والتدابر والتنازع والعداوة، على النقيض من روح الإسلام وجوهر دعوته إلى الأُخُوَّة والتحابِّ والتراحم والتماسك؟!

لماذا نضخِّم الاختلافات البسيطة بين المذاهب الإسلامية؟ إذا كان علماء الأمة من كافة المذاهب قد أقرُّوابضرورة الاختلاف، وأنه لاإنكار فيما اختُلِفَ فيه؟!

لقد كان أئمة الإسلام منشتى المذاهب يلتقون فيتحاورون ويتناقشون، ويقر بعضهم لبعض بالفضل والعلم، وفى ذلك يقول الإمام الشافعى: " ما ناظرت أحدًا من أهل العلم إلاَّ أحببت أن يظهر الله الحقَّ على لسانه".

هكذا كان علماؤنا- رحمهمالله- يتبعون الحق أينما كان، وكان أدب الاختلاف عندهم مبدءًا لا محيد عنه، وسجَّلتلنا كتب التراجم مناظرات بين كثير من العلماء يتجلَّى لنا فيها حرص هؤلاء الأئمةعلى الخلق الرفيع وحسن الجدال وأدب الاختلاف؛ وذلك راجع إلى أنهم اجتهدوافاختلفوا، وكان اختلافهم رحمة وسعة؛ لأنهم جميعًا صدروا فى اجتهاداتهم عن مشكاةواحدة هى كتاب الله وسنة رسولهصلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، ولأنهم قصدوا بعلمهم واجتهادهم مصلحة الأمة، ولميكن اختلافهم اختلافًا فى أصول الشريعة، بل فى الطرق المؤدية إلى فهم مقصودالشارع، وتطبيقها على ما يستجد من وقائع وأحداث، فهم فى الظاهر مختلفون، وفى الحقيقة متفقون، ولذلك كانوا حريصين على أدب الاختلاف والتحابِّ والتعاطف، وترك الشقاق والتنازع.

ما أحوجنا اليوم إلى التخلُّق بأدب الاختلاف والحوار، وجمع كلمة الأمة لمواجهة القضايا الكبرىوالحقيقية لهذه الأمة، بدلًا من تزييف وعى أبنائها بإحياء صراعات دفنها الماضى،وتضخيم أوجه الخلاف بين طوائف المسلمين، وهى- فى الحقيقة- أصغر من أن يلتفت إليها،بل إن ثوابت الثقافة الإسلامية تبيح مثل هذه الاختلافات الضرورية، وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى:

" الوقائع فى الوجودلاتنحصر؛ فلا يصحُّ دخولها تحت الأدلة المنحصرة؛ ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهادفى كل زمان".

ولابد أن تتنبَّه الأمةإلى أن من بين مخططات الأعداء: تعميق الخلافات المذهبية والفرعية وتضخيمها فى أذهان المسلمين.

أفيقوا أيها المسلمون، فمابينكم من عوامل الوحدة والائتلاف أعظم وأقوى مما يدعوكم إلى التفرق والاختلاف.

 

Dr.mohameddawood@yahoo.com

 


 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©