السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
     

ÇÓã ÇáãÞÇáÉ: الإيحاء الصوتي في تعبير القرآن
ÇáãÄáÝ: د. محمد داود
New Page 3

الإيحاء الصوتي في تعبير القرآن

 الإيحاء في الدلالة الصوتية: من إعجاز القرآن وتفرّده الرائع في الدلالة، ارتباط الصوت بمعانيه ارتباطًا وثيقًا. وقد تأكد لعلماء العربية ، أنّ الجانب الصوتي ركن أساس في بناء التعبير القرآني، في مواضع عدة من التنـزيل. ولابن جنّي (ت392هـ)، ملاحظ دقيقة في هذا المضمار .

 وكان الفارابي (339هـ) قد التفت إلى ما سمّاه بعض المحدثين " الحاسة الموسيقية "، وسمّاه هو "الهيئة الشعرية (1)، وكونها مركوزة في الإنسان منذ تكوينه، أو على حدّ قوله: "مركوزة فيه من أول كونه".

 وهي في اللغة العربية وفي إحساس العربي أكثر ظهورًا، حتى إنّ كثيرًا من الباحثين يصف لغتنا بأنها لغة موسيقية، وأنها انحدرت إلينا وقد اكتسبت هذه الصفة منذ أقدم نصوصها(2).

 وتلك الخصيصة أكسبت سمع العربي قدرة عالية في التمييز بين الفروق الصوتية الدقيقة، فكان حسه مرهفًا يستريح الحاضر من الكلام لحسن وقعه، وينفر من آخر لنبوّ جرسه(3).

 ولقد بلغ القرآن الكريم الذروة في التأثير في سمع العربي ووجدانه، وذلك بعذوبة جرسه وجمال إيقاعه ونغمه، وما لذلك من صلة بدلالته. وكأنّ الوليد بن المغيرة المخزومي -في جملة ما أراد- هذه الخصيصة الصوتية، يتلو عليه سورة (حم السجدة) فإذا به يدهشه أمر القرآن، فيقول صلى الله عليه وسلم حين سمع رسول الله من غير تردّد ولا كتمان: «إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أسفله لَمُغْدِق، وإنّ أعلاه لَمُثْمِر، وما يقول هذا بشر»(4).

 أنّ "الإيحاء الصوتي" في القرآن ينهض به الصوت اللغوي وحده، مفردًا كان أو مركّبًا، فيصوّر المعنى الذي في السياق بدقّة، بحيث لا يسدّ آخر مسدَّه.

 • فمن الأصوات المفردة (الصوائت) Vowels، كألف المدّ وياء المدّ؛ إذ لهما إيحاءان صوتيان متغايران يستشعرهما السامع النابه المتأمّل، أحدهما (صاعد) : بألف المدّ، والآخر (هابط) بياء المدّ، وكلاهما وردا في سياق واحد، هو قوله: ) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ) ( ق/ 10:11) فعند الوقوف في التلاوة على لفظة (بَاسِقَاتٍ)، تمدّ الألف فيها ستّ حركات، وهو المدّ العارض للسكون(5) ؛ لتصور هذا الامتداد إلى علوّ في بُسوق النخلة وارتفاعها إلى الجوّ بتلك الرشاقة الجميلة، التي تنتهي في أعلاها بذلك السعف الجميل المتهدّل على جوانب قمّتها من كل جهة، حتى أنها لتبدو كالفتاة الفرعاء(6).

 فإذا تلا القارئ بعد ذلك لفظة (نضيد)، ووقف على الدال، استشعر السامع بهذا المدّ الهابط: (الياء) خلاف ما استشعره بذلك المدّ الصاعد، الذي قبله في (بَاسِقَاتٍ)؛ إذ يستشعر بسمعه قبل بصره، هذا التنضيد الذي في الطلع، وقد غُطِّي بغطائه الربّاني الجميل، ذي الرائحة الذكية العبقة. وم فهذا ما لفتنا إليه هذا التعبير المزدوج في لفظتيه: (باسقات) و(نضيد)، من الناحية الصوتية الدالة على العلوّ والصعود، والدالة بعده على التراكم والهبوط.

 • ومن إيحاء الأصوات المفردة في تعبير القرآن، إيحاء (الهمزة)، وإيحاء (الهاء) في سياقيهما؛ إذ ورد كل منهما في سياق مغاير -دلاليًّا- لسياق الآخر. وهذا يعود إلى تغاير صفة كل منهما من الناحية الصوتية، وإن كانا من مخرج واحد هو (الحنجرة)؛ إذ الهمزة صوت شديد، انفجارى، بل هو أشدّ الأصوات اللغوية في العربية.

 على حين عُدّت الهاء من الأصوات (الرِّخوة). فإذا تدبرنا الكتاب المعجز المبين، القرآن الكريم، وجدنا الهمزة فيه قد وردت في سياق يوحي بالشدة، متمثّلاً بهذا التركيب الفعلي المؤكد بالمصدرفي قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)  ( مريم /83).

 ووجدنا (الهاء) قد وردت في سياق مغاير له (الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) تمامًا، بل هو مضادّ له دلاليًّا من حيث الإيحاء؛ إذ وردت في تصوير ما أُمرت به مريم ابنة عمران عليها السلام، حين أتاها الطلق، فضاقت بذلك ذرعًا، إذ كيف يولد لها ولد وهي لم تتزوج بعدُ؟، فكان النداء الذي سمعته مُطَمئنًا لها من ناحية، وآمرًا إياها بهزّ جذع النخلة التي أوت إليها تستظل وتستتر بها بعد أن أمرها ألا تحزن .

 وذلك بقوله ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ) (مريم /24:25). فقال سبحانه (هُزِّي) هنا، ولم يقل: (أُزِّي)، كما قال في آية إرسال الشياطين على الكافرين (تؤزُّهم)، ولم يقل: (تهزُّهم)، وذلك للفارق الدلالي بين السياقين: سياق الشدة والعنف، وسياق اللين والحنان.

 وهذا من رائع بيان القرآن ودلائل إعجازه. . وإذا كان إيحاء (الألف) هنا جميلاً باعثًا على التأمّل المفضى إلى شكر النعمة ، فإنّ للألف في غير هذا السياق إيحاء آخر؛ إذ نجدها في موضع تشعر فيه بالكِبْر والاستعلاء، في تصوير مشية كافر من قريش، غرّته مظاهر الدنيا الفانية، من مال، وجاه ، وولد.فإيقاع الآية مشعر بمشية الكِبْر لدى هذا المشرك المتعالي، ولكن يهمّنا كثيرًا هنا هذه اللفظة التي وقعت فاصلة، وهي: (يتمطّى)؛ إذ وردت لامها ألفًا، وهي الطاء الثانية في أصل الكلمة؛ إذ أصلها: (يتمطّط)، ولكنّ التعبير القرآني عدل عن الطاء التي في آخر اللفظة، إلى الألف بدلاً منها، لا لمجرّد اتساق حروف الرويّ فيها مع سائر الفواصل التي تلتها، مثل (أَوْلَى)، و(سُدى)، و(يُمْنى)، و(سَوَّى)(7)؛ إذ إنّ هذا ملحظ شكلي ليس هو المراد هنا، وإن كان له قيمته الصوتية الإيقاعية المؤثرة في نفس المتلقِّي، وإنما ورد (يتمطَّى) معدولاً عن أصله الطائي (يتمطّط)، إلى الألف الواقعة حرف رويّ للفاصلة؛ إيحاء بتبختر صاحب هذه المشية، وإشعارًا بما في نفسه من الزهو والخيلاء الفارغين من بواعث الحق والخير؛ إذ معنى (يتمطَّى) في اللغة: يتبختر، وأصله: يتمطَّطُ، أي يتمدّد؛ لأنّ المتبختر يمدّ خطاه.

 وقيل: هو من المطا، وهو الظهر؛ لأنه يلويه(8)، عند سيره. . ويهمنا هنا كيف رسم المدّ الصوتي بالألف هذه المشية المكروهة المنهيّ عنها. فإذا قرأنا (يتمطَّى) بأداء صوتي دقيق في التجويد، فأعطينا الطاء الشديدة المطبقة المكررة بالتشديد حقها من الأداء الصوتي، وأتبعناها مَدّة الألف واقفين عليها، حاكت الصورة الصوتية بذلك، تلك المشية الممقوته، مشية التلوِّي صعودًا إلى الأعلى ونزولاً.

 وذلك من رائع التصوير الفني في القرآن عن طريق الإيحاء الصوتي، مضافًا إلى الدلالة اللغوية الأصلية للفظة، التي تعرفها العرب في تحاورها. ومن الإيحاء الصوتي الإفرادي، المدّ بالألف الموحي بالندم والتوجّع النفسي، في مثل قول الكافر( يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)  (الزمر /56)فى يوم القيامة، وقد وقف بين يدي ربه للحساب مشعر صوتيًّا بتوجّعه وندمه، بهذين المدّين اللذين اكتنفا التعبير، وهما مدُّ (يا) ومدُّ (تا)، مضاعفًا إحساس المتلقِّي بندم المُلقي المرير، فضلاً عما في نداء الحسرة بحرف النداء (يا)، من تشخيص استعاري للحسرة، حين جعلها تنادي كما ينادي العاقل، وهذا من بليغ بيان التنـزيل. .

 ومن الإيحاء الصوتي بالشعور بالندم، ما تحدثه (هاء السكت) في قول من فرّط في ما ينبغي عليه أداؤه إزاء ربه وأهله ، قال تعالى:( يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ) ( الحاقة /27:28) .

 فهذه الهاء إذا وقف عليها القارئ، أشبهت الحسرة في انطلاقها من صدر المتحسّر لندمه. وحقق لها هذا المعنى ورودها (مكسوعة)، أي غير (لاحقة) في آخر هذه الأسماء، فأشبهت بذلك الحسرة. . وقد يكون الإيحاء الصوتي في تعبير القرآن (مقطعيًّا)، وليس إفراديًّا كالذي في لفظة (دمْدَمَ) في قوله( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ) ( الشمس / 14)، حين عقروا ناقة الله التي أُمِروا بألاّ يمسّوها بسوء،u(ثمود)، قوم النبيّ صالح فغضب الله سبحانه عليهم، فدمّر قريتهم، فجاء التعبير بهذا اللفظ: (دَمْدَمَ)، بدلالة مزدوجة، إحداهما (لغوية)، وهي الأصلية، أو كما يسمّيها المعاصرون: (مركزية) أو (أساس). والدلالة الأخرى (إيحائية)، وهي لون من الدلالة الثانوية، أحدثها إيقاع اللفظة. .

 وأما وصف هذه اللفظة (دَمْدَم) بأنها مقطعية، فلأنها ذات مقطعين متماثلين هما: (دَمْ/دَمْ)، فلمّا التأما في اللفظة مكررين، أشعر جرسهما المدوّي بما يشبه القصف: (دَمْدَمَ). وهذه الدلالة الإضافية صعّدت استشعار الشدّة والغضب في تصوير هذه العقوبة الإلهية العادلة، بمن لم يرع لله حرمته.

 • الإيحاء الصوتي للتراكيب: . وقد ينهض التركيب الصوتي بإيحاء معيّن منبعث من خصائصه في صورته المركبة ، ويتجلى ذلك في سياق قصة إبراهيم الخليل حين بشّرته الملائكة بالولد، فأثار ذلك عجب واستغراب زوجته، لكونها عجوزًا غير قادرة -في ظنها- على الإنجاب، فلم تلبث أن لطمت وجهها بكفّيها من جهة خدّيها، فكان التعبير عن هذا الحدث بلفظ مغاير للفظ (الضرب) الذي استعمله القرآن في موضع أريد به تأديب الزوجة إذا نشزت على زوجها، بعد مرحلتين من مراحل الإصلاح، (وهما: الوعظ والترك في المضجع ) وهو الفعل (صكَّ)، في قوله تعالى:( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) ( الذاريات / 29)وهو اللفظ الذي تفرّد به هذا الموضع، دون لفظ (الضرب) الذي ورد في مواضع عدة من التنـزيل، بدلالته الحسيّة لا المجازية. .

 فإذا حلّلنا الفعل (صكّتْ) تحليلاً صوتيًّا مع ما لحقه من تاء دالّة على التأنيث، وجدناه يجمع بين الشدّة والتفخيم؛ إذ الصاد من أصوات الإطباق، والمطبق مفخّم، والكاف والتاء صوتان شديدان، وزاد من شدّة الكاف تضعيفها. وبهذا أدّت هذه اللفظة بهذه الأصوات صورة اللطمة الشديدة من جانبها الصوتي الإيحائي، فضلاً عن جانبها اللغوي، الدال على الضرب الشديد. وبذلك ضاعف الإيحاء الصوتي للصك من دلالته على الضرب الشديد.


 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©