|
الإسلام وصحوة العقل في أمة الآلام | |

ما أقل الدعاة... وأكثر الأدعياء.. في أمتنا الإسلامية المغتالة المطحونة. ومن فضول القول أن أنبّه القراء إلي أن الداعية -في إجمال وإيجاز- هو الشخصية السوية المتكاملة عقيدةً وفكرًا وعلمًا وروحًا
وسلوكًا وقدرةً آسرةً علي الإبانة والإقناع والتأثير, ناهلاً من رصيد علمي غني, قاصدًا بجهده وجهاده -قولا وعملا- وجه الله سبحانه وتعالي.
والقيادة للأدعياء
وعلي الطرف النقيض نلتقي الأدعياء, فبضدها تتميز الأشياء. فهم فقراء الفكر.. رقاق الدين, مهتزئو العقيدة.. نرجسيون... مغرورون... معتقدون أن "الساحة" خُلقت لهم, ولا تتسع لغيرهم وهم حريصون علي أن يتشيئوا... ويتعملقوا. إذا جابَهٍتَهم بالحق والحقيقة, قالوا: بل نحتكم إلي العقل, فإذا قبلت التحدي, وأفحمتهم, صرخوا وقالوا: أنتم ظلاميون... إرهابيون.. رجعيون, ونحن التنويريون الحضاريون المنقذون.
وأنا أعتمد في المعروض السابق علي رؤية ميدانية, وممارسة فعلية في التعامل مع هؤلاء في ندوات, ومناظرات, وبرامج تلفازية. ومن المؤسف المخجل أن هؤلاء "الفقراء" فكريا وروحيا هم المهيمنون المسيطرون علي المنابر الفكرية والإعلامية, وبذلك تضيع الأمانة, وتختل المعايير, وتنحدر الأخلاقيات وأصبح الحال كما قال بشار بن برد:
أعمي يقود بصيرا لا أبا لكُمو
قد ضل من كانت العميان تهديه
وصدق رسول الله -صلي الله عليه وسلم- إذ قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة... وإذا وسد الأمر إلي غير أهله فانتظر الساعة", وعندما سأله جبريل عليه السلام عن أمارات الساعة ذكر منها: "أن تري الحفاة العراة العالة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان...". وأنكي من حفاء الأقدام حفاء العقول. كما أن الانسلاخ من القيم, والتخلي عن النبالة وأصول الحق أشد وأضر. وأضري من "العري المادي" وإن كان -في مصر المحروسة- من يتولي كًبر العُرٍيين, فرأيناه -وهو دَعًيُّ فكر وشعر ونقد- يكتب في أكبر صحيفة "قومية"!! يتمني أن يرسم له الفنان المشهور (...) صورة كبيرة, وهو عار كما ولدته أمه حتي يثبت للناس أنه يحترم جسده (والنص بالكامل تحت يدي". إنه واحد -علي ثرائه وغناه- من الحفاة العراة العالة علي العقل, وكل قيمة وفكر سوي سليم.
مع داود العظيم
وأراني -ونحن نعيش عصر الغربة والكربة والاختلال- مشدودًا إلي واحد من الرعاة الذين رصدوا أنفسهم, ووقفوا جهدهم -بأمانة وصدق- للإسلام والقرآن واللغة العربية. رأيناه يتصدي بكتاب رائع لما أفرزه الشوباشي من قَيٍء وصديد, محاولا هدم لغة القرآن باسم التجديد والتطوير. وكان كتاب الدكتور محمد داود -الأستاذ بجامعة قناة السويس- لطمة علمية موضوعية أخرست الشوباشيين وحملة القماقم الآكلين علي كل مائدة, والراقصين في كل زفة.
ويقدم الدكتور داود -العالم الداعية الجليل- للمكتبة الإسلامية والعربية عشرات من الكتب تعتبر زادا شافيا, ومكتبة متكاملة, منها -علي سبيل التمثيل: "القرآن وتفاعل المعاني (جزءان)- الدلالة والحركة- العربية وعلم اللغة الحديث- حرب الكلمات في الغزو الأمريكي للعراق- اللغة وكرة القدم- استدراك ما فات علي المعجم الوسيط- مواقف وعبر- الإسلام والزمن المقبل- آلام أمة بين القدس وغدر اليهود- موعظة البقاع الشريفة بمكة والمدينة... وغير ذلك كثير, من أهمها: قرابة عشرة كتب تراثية حققها بدقة وأمانة.
القرآن وصحوة العقل
ولا يتسع المقام لعرض هذه الكتب, أو بعضها. ولكني أجد لزاما عليّ أن أقف أمام آخر كتاب قدمه الدكتور داود للعرب والمسلمين, وهو كتاب (القرآن وصحوة العقل), فقد جاء "صدمة كهربية" تهز كيان المسلم وتوقظه لمواجهة الخطر المعيش في واقعنا المر المنكود. ويصَدر الدكتور داود كتابه بمقدمة قارعة صاخة, كأنها نذير عاصف ملتهب.. يقول فيها: "المحنة... الكارثة... المأساة التي حلّت بنا ليست جائحة من السماء لا ندري لها سببا, وإنما هي بما كسبت أيدينا, جزاء دخول عقولنا حارة الجمود والوقوف عند حدود الماضي نتباهي به, ونتغني بأمجاده, وغفلنا عن مسئوليتنا عن الحاضر والمستقبل... ومن العجيب والمؤلم أننا نستقبل صنيع العدو بنا بالولولة والصياح... نستنكر ونشجب وندين... ويتساءل العقلاء: ماذا ننتظر من عدونا إلا أن يتربص بنا, ويكيد لنا, ويدبر لإهلاكنا? أليس هذا دوره?...".
ويري الدكتور داود -بحق- أن المشكلة فينا, والمأساة في دورنا الغائب عن الساحة, في سلبيتنا وجمودنا.. في وعينا المفقود بكل أبعاد الأزمة وجوانبها... المشكلة في تغييب العقل العربي عن ساحة الإسهام في الإنتاج الحضاري, وامتلاك رؤية للمستقبل لها وسائل وآلياتها. المشكلة في أننا نمتلك ثروات طائلة , لكن تخلفنا جعلنا نتسول طعامنا ووسائل حياتنا!! المشكلة في أننا نتغني بالمثاليات الإسلامية دون أن نأخذ أنفسنا بها. المشكلة في أنظمة تفرض ما تريد بالعصا, وتعيش بمنطق فرعون {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر: 29[
المشكلة أننا لا نريد أن ننصف الإسلام من أنفسنا ومازلنا نعاني البطالة العقلية والذاكرة المفقودة التي لا تستفيد من التجربة, ولا تنتفع من عبر التاريخ".
والدواء في أيدينا...
بهذه الكلمات المقطرة شخّص الدكتور داود "داء الأمة" في دقة عجيبة. وما أري هذه المقدمة إلا "مَتٍنًا" لو شُرح وفُصل لأنتج سفرا ضخما. وبعدها -بمنهج عملي موضوعي- يفتح الكاتب "صيدليته" مقدما "الدواء" في وضوح وتركيز وأناة واتزان وتوهُّج عاقل رزين, وهي صفات أشهد أنه يتحلي بها كاتبا ومحاضرا ومحدثا. ونلتقي في الكتاب مفردات الدواء, ومن هذه المفردات: الإسلام والآخر- الإسلام والجمال- الإسلام وحرية الإبداع- التعصب انتحار للعقل- صنع الحضارة تكليف إسلامي- المهدي الذي ننتظره- بين فقه الحياة وفقه الممات- أمراض البطالة- الآن وليس غدا- التدين السلبي- قيم حضارية في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم- نداء العقل- القرآن إيقاظ للعقول- القرآن مصدر للصحة النفسية- القرآن والتربية- القرآن والجهاد المدني- القرآن والمسئولية الإعلامية- القرآن وفقه الإصلاح- القرآن ومحاورة التمرد- القرآن يسمو بالمشاعر- عالمية القرآن- عربية القرآن تشكو أهلها- القرآن وروح الجماعة- نبوءة قرآنية- هل هجرنا القرآن?...
ويختم الكاتب مسيرته الموضوعية الإيمانية بالسطور الآتية: "وفي إطار العولمة التي لا تعترف إلا بالإنتاج المتميز كان ينبغي أن تكون المقدمة لإنتاج الأيدي المتوضئة المؤمنة الصادقة. ولكن الواقع كما تري!! القرآن دعانا إلي التماسك والتعاون, فما بالنا نتمزق ونتفرق? أموالنا في أيدي أعدائنا, ووضعنا أيدينا في أيدي اليهود القتلة المفسدين, ولم نضع أيدينا في أيدي إخواننا المسلمين!!
فهذا هو القرآن صانع الحضارة, وصانع خير أمة. فأين منه المسلمون?! أين منه المسلمون عملا وسلوكا? {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11[ ...".
نعم أيها الأستاذ الجليل: العلاج في أيدينا, والخلاص والسعادة في قرآننا, ولكنا مازلنا مرضي باستيراد الطعام والشراب واللباس والقيم والمبادئ والقوانين, فنحن كما قال الشاعر القديم:
كالعيس في البيداء يقتلها الظَّما
والماء فوق ظهورها محمولُ
(العيس: الإبل)
وما قدمته ليس تقييما لكتاب "القرآن وصحوة العقل" للدكتور العالم الموسوعي الجليل محمد داود, فلهذا دراسة واسعة أقدمها عن قريب إن شاء الله. ولكني أقول في النهاية: لقد انتصر الكاتب بعلمية وموضوعية للعقل السوي وللدين القيم في منهج عملي مركز فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء . |