السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
     

ÇÓã ÇáãÞÇáÉ: أثـر الصفـح والعفـو
ÇáãÄáÝ: د. محمد داود

أثـر الصفـح والعفـو (*)

ذهب فُضالة بن عُمَير الليثي قاصِدًا قَتْل النبي صلى الله عليه وسلم أثناء طوافه بالبيت، فلما دنا منه قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «أفُضالة؟!». قال: نَعَم، فُضالةُ يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم : «ماذا كنت تحدِّث به نفسك؟» قال: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: «استغفر الله».

ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فما كان من فُضالة إلا أن قال: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما مِنْ خَلْقِ الله أحبُّ إلىَّ منه. وأسلم فُضالة بهذا الصفح الكريم، وزالت من قلبه العداوة، وحلَّت محلها محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

*****

هذا الموقف يحمل فيضًا كريمًا من سماحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفوه، وحرصه على الآخر، وأنه كان يقابل الإساءة بالإحسان.

·   لقد قدَّم صلى الله عليه وسلم أعظم المناهج التربوية للمصلحين، ووصف لهم سبل الهداية التي يتم بها إنجاز أخطر وأعظم عملية تغيير للإنسان: من الضلال إلى الهدى، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الكفر إلى الإيمان، وهذه حقيقة أكدها القرآن الكريم في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى:

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (آل عمران /164).

وأمام هذه المهمة السامية والرسالة العالية، ألا وهى هداية الناس، يوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ من خلال هذا الموقف ـ أنه لا مكان لنَزَغَات النفس وظهور الأنانية، وهكذا كان شأنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا ينتصر لنفسه، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله. لقد باع نفسه لله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الأنعام/162).

ولا غرابة بعد ذلك أن نرى النبي صلى الله عليه وسلم قد ألزم نفسه التواضع، وكان يقول: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» ([1]). وقال صلى الله عليه وسلم : «إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» ([2]).

·   ودلالة أخرى في هذا الموقف: هي استعانة الداعية والمصلح والمربِّى بالله تعالى في معالجة فكر ونفس ومشاعر مَنْ أمامه؛ كي لا يرى لنفسه فضلا في هذا التحول النوراني، وذلك التغير الإيماني، بل ينسب الفضل لله تعالى.

·   أيضًا هناك دلالة أخرى في هذا الموقف النبوي الكريم، وهى إرشاد الحائر الضال إلى ما يصلح شأنه من ذكر أو دعاء أو عمل صالح؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لفضالة: «استغفر الله يا فضالة».

·   ثم تأمل ـ رحمك الله ـ في هذا الموقف النبوي الكريم، كيف قابل النبي صلى الله عليه وسلم رغبة القتل من فضالة بالابتسامة الحانية، والكلمة الطيبة والدعاء، واليد الحانية التي كانت بلسمًا سكن به قلب فضالة، وتحوَّل الموقف من العداوة إلى المحبة، وصدق الله العظيم إذ يقول: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (فصلت/34).

اللهم خَلِّقنا بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدبنا بأدبه وأكرمنا برفقته فى الجنة.

 ــــــــــــــــــــــــــ

(*) البداية والنهاية لابن كثير (4/308).

([1]) أخرجه أبو يعلى في مسنده (8/318) برقم (4920)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (544).

([1]) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأطعمة، باب القديد،(3312والحاكم في مستدركه، كتاب المغازي والسرايا(4366)، وصححه لألباني في السلسلة الصحيحة (2677).


 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©