ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
الانتماء فى وطنٍ جريح
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
الانتماء فى وطنٍ جريح
د.محمد داود
خلق الله عز وجل الإنسان وغرس فى أعماق نفسه حب المكان والأرض التى يعيش عليها، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً} نوح/17.
ولا حياة للنبات إذا اقتلع من الأرض؛ فكذلك الإنسان ابن الأرض التى يحيا عليها، وبينه وبينها من أواصر الحب والانتماء ما يكون بين بنى البشر.
والوطن كيان أكبر من الأرض والبيت ... إنه كل ما تفتحت عليه عيوننا: وجوه أمهاتنا وآبائنا وإخوتنا ... والأشجار والطير والسماء ... نسمات الربيع وأمطار الشتاء حكايا الجدات... ملاعب الطفولة وذكريات الصبا والشباب.
من يستطيع أن يحيا من دون كل هذا؟!
إن حب الإنسان لوطنه وانتماءه إليه هو – فى الحقيقية حبٌّ لذاته؛ لأنه جزء من هذا الوطن، ولأن سيرة الإنسان وأعماله محفورة فى كل مكان خطت فوقها وأقدامه.
ولقد ضرب لنا سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أروع المثل فى حب الوطن والانتماء إليه، لقد كان محبًّا لبلاده بما فيها ومن فيها، حتى الجمادات كان يألفها وتألفه، ويأنس إليه، وتأمَّل قوله صلى الله عليه وسلم: "أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبُّه"!
وكم كان صلوات الله وسلامه عليه – حزينًا وهويفارق وطنه، حينما هاجر من مكة إلى المدينة ...وكأنى بك يا سيِّدى يارسول الله وأنت تغادر الأرض التى تشرفت بقدميك تنظر إليها دامع العينين وقد عادت أطياف الذكريات كلها وكأنها تشيِّعك وتطيف بك من كل جانب، وأنت تهمس لهذه الأرض الطيبة المباركة: "والله يا مَكَّة إنَّك لأَحبُّ أرض الله إلَىَّ، ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت".
إن الانتماء إلى الوطن من أقوى الدوافع الذى تدفع الإنسان إلى العمل، وإلى التضحية بكل مرتخصٍ وغالٍ.
هكذا يكون الوطنُ: الحصن والحمِىَ، والدار والأُنْسَ والأمل، لكنَّ هذا المعنى تراجع فى الآونة الأخيرة، فكثيرًا ما نرى الشباب يريدون أن يفرُّوا من بلادهم إلى بلاد غريبة، مهما كلَّفهم ذلك من متاعب وآلام ومشاق تصل إلى الموت ... ونتساءل: كيف هانت عليهم أوطانهم؟!
ونسينا أن الوطن ملاذ، وأنه بمنزلة الأم، هو العطاء والدفء والأمل!
لقد اهتزت ثقة أبنائنا بوطنهم لأنهم افتقدوا فيه تلك المعانى والعواطف الحميمة ... ضُيَّقت عليهم أرزاقهم، وانطفأت آمالهم، وغابت ذكرياتهم حتى أطبق عليهم اليأس والإحباط فأين الوطن؟!
إنك لا تجنى غير ما زرعت ... فهذه مؤسسات ترهَّلت، وثقافة أفلست، وموارد نضبت أو كادت ... لقد أصبح الوطن مركز طردٍ للعقول والكفاءات؛ حين صعدت النماذج المنحرفة من الوصوليين والمتسلقين والمتملقين، وانزوى أصحاب القيم الأصلية والأعمال الجليلة فى عالم النسيان والإهمال ... أين علماء هذا الوطن ومفكِّروه وشعراؤه وفرسانه؟! إنهم مهمشون!
لقد غابت النماذج العظيمة والقيم النبيلة تحت ركام الإهمال والتجاهل والنسيان، فلم تعد هناك منارات تشير إلى الطريق وتصبو إليها القلوب ... وحل محلَّهابهرجٌ زائف وقيم مادَّية زائلة كالزبد الذى يذهب جُفاءً ولا يمكث فى الأرض!
وحُقَّ لمن لا يجد ثمرة جهده فى وطنه أن يبحث عن وطن بديل، أو ينطوى على نفسه فى منفى اختيارى وغربة روحيَّة كتلك التى وضعها أبو حيان التوحيدى بقوله: "هذا غريب لم يتزحزح عن مسط رأسه، ولم يفارق مَهبَّ أنفاسه، وأغرب الغرباء من كان غريبًا فى وطنه".
ذلك أن الوطن أسمى من التراب ... إنه تلك القيم والمعانى التى يحبابها ولها الإنسان، فإذا غابت تلك القيم والمعانى أو قوبلت بالجحود والنكران والاضطهاد – اهتزت الثقة بالوطن، وتلاشت الآمال ولم يَبْقَ إلَّا الفرار، كما قال أمل دنقل:
رَفْرِفْ ... فليس أمامك والبشر المتباحون والمستبيحون ليس أمامك إلا الفرار
الفرار الذى يتجدَّد كل صباح!
وجاءت الثورة، وعاد إلينا الوطن وعدنا إليه، وفتحت الثورة باب الأمل من جديد وآن الأوان أن نعود إلى قيمنا الأصيلة ... أن نلتصق بهذه الأرض، ونربِّى أبناءنا على حب الوطن، وأن نقدِّم لهم ما يربطهم بالوطن، وأن نحي معانى الانتماء ....فالوطن هو الأمل، وهو الحصن الذى نلوذبه فى الشدائد، وهو الحِمَى الذى ندافع عنه بأرواحنا، ولا نفرُّ منه ...
إننا بحاجة إلى صحوة وطنية تعيد للوطن قيمته، وللإنسان كرامته ... كى لا يشعر أحدٌ بالغربة فى وطنه مرة أخرى... ولكى تشرق الأنوار من جديد فتضىء نفوسنا ... نحتاج إلى غرس الأمل والثقة فى نفوس الناس من جديد، وهذا يقتضى منَّا الإخلاص والتضحية ...
فيا أبناء هذا الوطن، هلُمُّوا نلملم ما تبعثر ، ونداوى جراح أمتنا، وليكن هدفنا أن يعيش أبناؤنا حياةً أجمل من حياتنا، آملين فى مستقبل مشرقٍ بعد الثورة باتِّساع هذا الوطن الجريح!..
وصدق أمير الشعراء حين قال وقد عاد من من منفاه إلى مصر:
ويا وطنى لقيتُك بعد يأسٍ * كأنِّى قد لقيت بك الشَّبابا
|