ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
أحوال الناس بعد رمضان
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
أحوال الناسبعد رمضان
ا.د.محمد محمد داود
الناس بعد رمضان فريقان: فائزون وخاسرون، فياليت شعري من هذا الفائز منا فنهنيه؟ ومن هذا الخاسر فنعزيه؟!
حال الصالحين الفائزين
رحل رمضان ورحيله مر على الجميع،الفائزين والخاسرين، الرحيل مر على الفائزين؛ لأنهم فقدوا أياماً ممتعة، ولياليجميلة، نهارها صدقة وصيام، وليلها قراءة
وقيام، نسيمها الذكر والدعاء، وطيبهاالدموع والبكاء، شعروا بمرارة الفراق؛ فأرسلوا العبرات والآهات، كيف لا وهو شهرالرحمات، وتكفير السيئات، وإقالة
العثرات؟! كيف لا والدعاء فيه مسموع، والضرمدفوع، والخير مجموع؟! كيف لا نبكي على رحيله ونحن لا نعلم أمن المقبولين نحن أممن المطرودين؟! كيف
لا نبكي على رحيله -أيها الأحبة- ونحن لا ندري أيعود ونحن فيالوجود أم في اللحود؟! الفائزون من خشية ربهم مشفقون! نعم.
هم فائزون ولكنهم من خشية ربهم مشفقون{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60] على رغمأنهم في نهاره في صيام وقراءة قرآن وإطعام وإحسان،
وفي ليله سجود وركوع وبكاءوخشوع، وفي الغروب والأسحار تسبيح وتهليل وذكر واستغفار.
الفائزون شمروا عن سواعد الجد؛فاجتهدوا واستغفروا وأنابوا ورجعوا، ما تركوا باباً من أبواب الخير إلا ولجوه،ولكن مع ذلك كله، قلوبهم وجلة خائفة بعد
رمضان؛ أقبلت أعمالهم أم لا؟ أكانت خالصةًلله أم لا؟ أكانت على الوجه الذي ينبغي أم لا؟ كان السلف الصالح رضوان الله تعالىعليهم يحملون همّ قبول العمل
أكثر من همّ القيام بالعمل نفسه، قال عبد العزيز بنأبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوا وقع عليهم الهم! أيقبلمنهم أم لا؟ لا يغفلون عن
رمضان، فإذا فعلوا وانتهوا يقع عليهم الهمّ أيقبل منهمأم لا؟ وقال علي رضي الله تعالى عنه: [كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكمبالعمل، ألم تسمعوا لقول الحق
عز وجل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْالْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]] .
وقال مالك بن دينار: [الخوف على العملألا يتقبل أشد من العمل] .
وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنهكان ينادي في آخر رمضان: [يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه؟ ومن هذا المحرومفنعزيه؟] .
وعن ابن مسعود أنه قال: [من هذاالمقبول منا فنهنيه؟ ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟] .
أيها المقبول هنيئاً لك! أيها المردودجبر الله مصيبتك!
ليت شعري من فيه يقبل منا فيهنى ياخيبة المردود
من تولى عنه بغير قبول أرغم الله أنفهبخزي شديد
فيا ليت شعري -أيها الأحبة- بعد هذهالأيام مَن مِنا أشغله هذا الهاجس وقد مضى نصف شهر على رحيل رمضان؟ من منا أشغلههاجس هل قبلت أعماله أم لا؟
هل نحن من الفائزين في رمضان أم لا؟! من منا لسانهيلهج بالدعاء أن يقبل الله منه رمضان؟! إننا نقرأ ونسمع أن سلفنا الصالح كانوا يدعونالله ستة أشهر أن يقبل
الله منهم رمضان، ونحن لم يمض على رحيله سوى أيام فهل دعوناأم لا؟ أم أننا نسينا رمضان وغفلنا عنه وكأننا أزحنا حملاً ثقيلاً كان جاثماً علىصدورنا؟! نعم.
رحل رمضان، لكن ماذا استفدنا منرمضان؟ وأين آثاره على نفوسنا وسلوكنا وأقوالنا وأفعالنا؟ هكذا حال الصالحينالعاملين، فهم في رمضان صيام وقيام، وتقلب
في أعمال البر والإحسان، وبعد رمضانمحاسبة للنفس، وتقدير للربح والخسران، وخوف من عدم قبول الأعمال، لذا فألسنتهمتلهج بالدعاء والإلحاح بأن يقبل
الله منهم رمضان.
حال المفرطين الخاسرين
أما المفرطون -نعوذ بالله من حالهم-فهم نوعان: أناس قصروا فلم يعملوا إلا القليل، نعم.
صلوا التراويح والقيام سراعاً، فهم لميقوموا إلا القليل، ولم يقرءوا من القرآن إلا القليل، ولم يقدموا من الصلوات إلاالقليل، الصلوات المفروضة تشكو من
تخريقها ونقرها، والصيام يئن من تجريحه وتضييعه،والقرآن يشكو من هجره ونثره، والصدقة ربما يتبعها مَنٌّ وأذى، الألسن يابسة من ذكرالله، غافلة عن الدعاء
والاستغفار، فهم في صراع مع الشهوات حتى في رمضان، لكن فطرةالخير تجذبهم، فتغلبهم تارةً ويغلبونها تارات، فهم يصلون التراويح، لكن قلوبهم معلقة
بالرياضة، ومشاهدة المباريات، ورمضان هذا العام يشهد بمثل ذلك.
سبحان الله! حتى في رمضان، حتى فيالعشر الأواخر وهي أفضل الأيام! سبحان الله! كيف أصبحت الرياضة تعبد من دون الله؟!-لا حول ولا قوة إلا بالله- هم
يقرءون القرآن في النهار، لكنهم يصارعون النوم بعدليالي من السهر والتعب والإرهاق من الدورات الرياضية والجلسات الفضائية، أماالصلاة: فصلاة الظهر عليها
السلام، وربما العصر بل وربما الفجر؛ كل ذلك بسبب التعبوالإرهاق -كما يقولون- فهؤلاء لم ينتبهوا إلا والحبيب يرحل عنهم؛ فتجرعوا مرارةالرحيل، بكاء
وندماً، حزنوا، ولكن بعد ماذا؟ بعد فوات الأوان، بعد أن انقضت أفضلالأيام.
أما النوع الثاني من المفرطين فهمالخاسرون -نعوذ بالله من الخسران- فهناك من لم يقم رمضان، ولم يقرأ القرآن، وربمالم يصم في رمضان، فنهاره ليل وليله ويل، لا
الأواخر عرفوها ولا ليلة القدر قدروها،فمتى يصلح من لا يصلح في رمضان؟! متى يصح من كان من داء الجهالة والغفلة مَرْضان؟!متى يزرع من فرط في وقت
البذار، فلم يحصد غير الندم والخسار؟! مساكين هؤلاء! فاتهمرمضان وفاتهم خير رمضان؛ فأصابهم الحرمان وحلت عليهم الخيبة والخسران، قلوب خلت من
التقوى فهي خراب بلقع، لا صيام ينفع ولا قيام يشفع، قلوب كالحجارة أو أشد قسوة،حالها في رمضان كحال أهل الشقوة، لا الشاب منهم ينتهي عن الصبوة، ولا
الشيخ ينزجرفيلحق بالصفوة.
أيها الخاسر! رحل رمضان وهو يشهد عليكبالخسران؛ فأصبح لك خصماً يوم القيامة! رحل رمضان وهو يشهد عليك بهجر القرآن؛ فياويل من جعل خصمه
القرآن وشهر رمضان! فيا من فرط في عمره وأضاعه! كيف ترجو الشفاعة؟أتعتذر برحمة الله؟ أتقول لنا: إن الله غفور رحيم؟ نعم.
لكن {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌمِنْ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] العاملين بالأسباب الخائفين المشفقين.
سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهارويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعات، فقال رضي الله تعالى عنه: [هو في النار] .
وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة رضيالله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، فقال: (آمين آمين آمينقيل: يا رسول الله! إنك صعدت المنبر فقلت: آمين.آمين.آمين.
قال: إن جبريل أتاني فقال: من أدركشهر رمضان فلم يغفر له؛ فدخل النار فأبعده الله -فكم هم أولئك المبعدين عن رحمةالله؟ - قل: آمين.
فقلت: آمين) إلى آخر الحديث.
فيا أيها الخاسر! نعم.
رحل رمضان وربما خسرت خسارةً عظيمة،ولكن الحمد لله، فما زال الباب مفتوحاً والخير مفسوحاً، وقبل غرغرة الروح، ابكِعلى نفسك وأكثر النوح، وقل لها:
ترحل الشهر وا لهفاه وانصرما واختصبالفوز في الجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسراً مثليفيا ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البذار فما تراهيحصد إلا الهم والندما
طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهرهوبحبل الله معتصما
|