ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
شـهــر رمـضـــان والبنـاء الإيمانـى للفـرد والمجتمــع
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
شـهــر رمـضـــان
والبنـاء الإيمانـى للفـرد والمجتمــع
د / محمد داود
محاور الموضـــوع :
· مقاصد الإسلام من تشريع الصوم
مقاصد فردية مقاصد اجتماعية
وقد تجسدت هذه المقاصد فى الحديث الذى رواه البيهقى .
· فالمقاصد التى تتوجه إلى بناء شخصية الفرد :
1. الصبر وتهذيب النفس وتحرير الإرادة .
2. الصيام جُنَّة .
3. الصيام صِحَّة .
4. الصيام غفران للذنوب وتجديد للإيمان .
· والمقاصد الاجتماعية العامة :
1. شهر الجود والعطاء والتكافل الاجتماعية .
2. الصيام مظهر للالتزام بالنظام الاجتماعية .
3. رمضان والجهاد .
4. الصوم وقاية من الجريمة وحماية لأمن المجتمع .
5. الصوم تقوية لروح الأمة وسمو بأخلاقها .
· تشريع صيام رمضان ومقاصده :
الصيام ركن من أركان الإسلام الخمسة ، فلا يكتمل للمرء إسلامه بغير صيام رمضان ، ولهذه الفريضة العظيمة حِكَمٌ وأسرار ومقاصد سامية ، منها ما يختص بصياغة الشخصية
الفردية وتقويتها ، ومنها ما يعم
نفعه المجتمع الإسلامى والأمة الإسلامية كلها .
وقد بيَّن لنا النبى الكريم r مقاصد الصيام وحكمه فى هذا الحديث الجامع ، روى البيهقى أن رسول الله r قال وقد حضر رمضان :
« أيها الناس ، قد أظلَّكم شهر عظيم مبارك ، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعًا ، مَنْ تَقَرَّب فيه بِخَصْلَةٍ من الخير كان كمن أدَّى فريضة فيما سـواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهرٌ يُزَاد فى رزق المؤمن فيه ، مَنْ فَطَّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئ ». قالوا :
يا رسول الله ، ليس كلُّنا يجد ما يُفَطِّر الصائم !
فقال r :
« يُعْطِى اللهُ هذا الثوابَ من فَطَّرَ صائمًا على تمرة ، أو على شربة ماء ، أو مِذْقة ( أى شربة ) لبن . وهو شهرٌ أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عِتْقٌ من النار » .
فى هذا الحديث الجامع تتجلى مقاصد الصيام وعظمته وعمق آثاره فى بناء شخصية الفرد وفى تكوين المجتمع الإسلامى المتكافل .
- فعَلَى المستوى الفردى :
· الصوم تهذيب للنفس وتحرير للإرادة :
وذلك لأن الصائم يمنع نفسه من الشهوات ، ولا رقيب عليه فى ذلك سوى الله عز وجلّ ؛ ومن هنا ينشأ الرقيب الداخلى الذاتِىُّ ، إذ يمكن للمرء أن يشبع شهواته فى الخفاء ويتظاهر أمام الناس بالصيام ، ولكنه حِينئذٍ ليس بصائم ، وهو يمقت ضعفه وعجزه عن مقاومة الشهوات ، وربما نبت فى نفس هذا الضعيف العاجز إرادة التحرُّر من هذا العجز ، وأدَّتْ به نفسه اللوَّامة إلى الارتفاع والتسامى كى يلحق بإخوانه المؤمنين الصابرين .
أمَّا الصائم الذى التزام وكفَّ نفسه عن شهواتها ، فهو الذى يستشعر معنى مراقبة الله عز وجل ، فتسمو نفسه وتتحرر إرادته من العجز والضعف ، وتنشط روحه وجوارحه للعبادة وعمل الخير .
ولهذا السمو الروحى كان ثواب الصائم الجَنَّة ، وكان « الصيام جُنَّة » أى وقاية من عذاب الله فى الآخرة ، ووقاية من كل المكاره والشرور فى الدنيا ، فالصائم فى معية الله عز وجل ، ومن كان فى معيَّة الله صَفَا قلبه من كل إثم ، وهُذِّبت مشاعره وأخلاقه فلا يرفث ولا يفسق ولا ينطق بكلمة سوء ، حتى إن سابَّه أحدٌ يريد استدراجه إلى الرفث أو الفسق أَبَتْ عليه نفسه المطمئنة بمعية الله سبحانه أن ينحدر ويَهْوِى إلى دَرْك الفسق وسوء الخلق وقال لنفسه : إنِّى صائم إنِّى صائم .. ولا يجوز للصائم أن يَهْوِىَ من علياء سموِّه الروحى إلى المشاحنة والخصومة وإثارة الشرور .
· والصيام غفران للذنوب وتعرض لرحمة الله عز وجل ، وهذا الكرم الإلهى العظيم يترك فى نفس المؤمن أعمق الأثر ، فيزداد صفاء قلبه وحسن خلقه طمعًا فى مزيد الكرامة والثواب وغفران الذنوب ، والمزيد الذى وعد الله به عباده الصائمين بإجزال الثواب لهم ، جاء فى الحديث القدسى عن رب العزة جل ثناؤه : « كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به » .
لقد أخفى الله سبحانه أنواعًا من الثواب والكرامة للصيام ؛ لمَّا كان الصيام عملًا خَفِيًّا لا يُطَّلِعُ عليه إلا الله عز وجل ، كما أخفى ثواب قيام الليل : {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ } [يونس: 103] .
ومن عظيم ثواب الله للصائمين ما جاء فى الحديث الشريف : « إن فى الجنة بابًا يقال له الرَّيَّان ، يدخل منه الصائمون » ؛ ذلك بأنهم صبروا على الجوع والظمأ ، فكان جزاؤهم الرَّىُّ والشِّبَع ، ولا كالجنة رِيًّا و شِبَعًا .
· كذلك فإن للصيام فوائد صحية جَمَّة ، وقد أصبح من المقرر فى الطب الحديث أن الصوم يخلِّص الجسم من الالتهابات والميكروبات الضارة ، ويريح الأعضاء ، ويقوِّى الذاكرة ، وهو علاج ناجح للكثير من الأمراض وبخاصة أمراض الجهاز الهضمى والكبد والسكر والأمراض الباطنية عمومًا .
وإذا كان الفرد القوىُّ هو لبنة المجتمع القوىُّ ، فإن كل ما سبق وغيره من فوائد تعود على المجتمع كما تعود على الفرد .
· وأما المقاصد الاجتماعية العامة للصيام ، فمنها :
o رمضان والتكافل الاجتماعى :
البذل والجود والعطاء صفات مقترنة اقترانًا لازمًا بهذا الشهر الكريم ؛ بما يُرَبِّيه فى نفس الصائم من الشعور بالآخرين والعطف على الفقراء والمساكين والمحرومين ، وقد أشار الحديث الشريف إلى معانى المواساة ، وتشتمل هذه الكلمة على كل مظاهر العطف والشفقة والدعوة إلى كفالة الفئات المحرومة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وغير ذلك من سبل الحياة الكريمة .
ولذلك كان النبى r ( وهو أجْوَد الناس ) أجود ما يكون فى رمضان ، تعليمًا لأمَّته أن هذا شهر كريم مَنَّ به الله الكريم على المسلمين ، فعليهم أن يشكروا الله تعالى على هذه المِنَّة ، ومن مظاهر الشكر : البذل والإنفاق والعطاء بسخاء وكرم ، يشمل كل أفراد المجتمع المسلم ، فلا يبقى بين المسلمين محروم ولا جائع ولا متكفِّفٌ ؛ لأن الصائم المقتدى بالنبى r يكون عطاؤه كالريح المرسلة ، كما كان النبى r فى رمضان .
o الصيام مظهر من مظاهر الالتزام بالنظام الاجتماعى :
يتجلى هذا الالتزام فى تحديد الشرع للأوقات التى يُصَام فيها والتى يفطر فيها ، فكل المسلمين صائمون من آذان الفجر إلى آذان المغرب ، وفى هذا تعويد للإنسان على الانضباط والتزام نظام المجتمع ، فليس له أن يفعل ما يحلو له فى أى وقت يشاء حتى ولو كان ما يفعله مباحًا ، فإن للمجتمع على الأفراد حقوقًا لا تقل أهمية عن الحقوق الفردية .
ولقد سَرَى هذا المعنى فى المجتمع الإسلامى ، فأنت تمشى فى نهار رمضان فلا تجد من يأكل أو يشرب ، حتى غير الصائمين يتواروْنَ حينما يفعلون ذلك ، احترامًا لهيبة الشهر الكريم والتزامًا بالنظام الاجتماعى .
ومن مظاهر الالتزام بالنظام الاجتماعى فى رمضان أن الصائم يكفُّ نفسه عن الأذى بكل أشكاله ، فيكُفُّ لسانه وجوارحه وقلبه . وهذا من أعظم مظاهر الالتزام بالنظام والانضباط الخلقى وحسن التعايش الاجتماعى .
ولمَّا كان الصوم صبرًا ؛ فإن فيه قوَّة على الجهاد ، قال تعالى : { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ( الأنفال) .
فالصيام صبر ، والجهاد صبر ، ومن هنا اقترن الجهاد بهذا الشهر الكريم ، وكان للمسلمين انتصارات مجيدة فى رمضان : أولها فى غزوة بدر الكبرى ، ثم فتح مكة المكرمة .
وكانت معركة « عين جالوت » التى انتصر فيها المسلمون على المغول فى شهر رمضان . وكذلك معركة « حطين » التى انتصر فيها المسلمون على الصليبين واستردُّوا بيت المقدس .
وأخيرًا كان نصر « العاشر من رمضان » للعرب ضد اليهود .
كل هذه الانتصارات فى هذا الشهر الكريم تشير إلى العلاقة الوثيقة بين الصيام والصبر والقوة والجهاد ، فالذى يصبر عن الشهوات الحلال أولَى به أن يصبر على قتال عدوه المغتصب .
كذلك فإن فى صيام رمضان حماية لأمن المجتمع ومنعًا لسبل الجريمة ؛ فإن أكثر الجرائم تنتج عن الانسياق وراء الشهوات والأهواء ، والصائم يحبس نفسه عن الشهوات ، ويكف لسانه وأعضاءه وقلبه ، وإذا كان الصائم رقيبًا على نفسه ، وكانت الشياطين مسلسلة فمن أين تأتى الجريمة ؟!
وإلى هذا أشار النبى r فى قوله : « إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ، وغُلِّقت أبواب النار ، وفُتِّحت أبواب الجنة ، ونادى مُنَادٍ : يا باغى الخير أَقبِلْ ، ويا باغى الشرِّ أَقْصِرْ »
ونحن نرى مظاهر عمل الخير فى كثرة البذل والانفاق فى رمضان ، والكفّ عن الشر فى هبوط نسبة الجرائم إلى أدنى مستوياتها فى شهر رمضان فى جميع البلاد الإسلامية .
على هذه الأسس الإيمانية المتينة يجدد شهر رمضان روح الأمَّة ، ويُقوِّى همتها ، ويُحفزها إلى الخير والعمل الصالح ، والعلم والعبادة ، والجهاد ، وتأليف القلوب ، وتماسك بناء المجتمع ، ووقاية المجتمع من المفاسد والشرور .
dr.mohameddawood@yahoo.com
|