ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
مقاصد سامية لعبادة الصيام
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
مقاصد سامية لعبادة الصيام
أ.د.محمد محمد داود
dr.mohameddawood@yahoo.com
بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبي الله ورسوله، سيدنا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، وبعد:
- فإن لله حكمًا بالغة لفريضة الصيام أجملها الله في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة] .
أول ما يطالعنا من دروس الصيام التربوية: تلك الوحدة الشاملة التي يحدثها الصيام بين المسلمين، فليس لقومٍ أن يصوموا شهرًا ولآخرين أن يصوم شهرًا آخر، بل المسلمون جميعًا يصومون معًا شهرًا واحدًا، وفى هذا درسٌ عظيم في جمع الشمل، ونبذ التشتت والتفرق والتمزق الذى تعانى منه أمتنا في واقعنا المعاصر.
- كذلك من دورس الصيام الذي تشتد إليه حاجة الأمة: الدرس الاقتصادي، الذى يتمثل في التدبير والاقتصاد وعدم الإسراف في المأكل والمشـرب، إن الصيام بهذا يقاوم ويعالج القيم الاستهلاكية في المجتمع؛ إنه يعلمنا قيمة الاستغناء.
- ومن دروس الصيام: درس بناء القدرة، وتقوية العزيمة على التحكم في النفس البشـرية؛ إنه وسيلة لتهذيب النفس على السيطرة على الأهواء والشهوات، فكم من الناس من يشتهي ولا يصبر؟ وكم من الناس من يغضب ولا يملك نفسه عند الغضب؟ وكم من الناس من ينفلت في الآثام والمعاصي؟ وكم من الناس من يفقد عمره بالتسويف والتمني؟
- كل هؤلاء وهؤلاء دواؤهم في مدرسة الصيام.
والصيام كذلك تهذيب للنفس وتحرير للإرادة:
وذلك لأن الصائم يمنع نفسه من الشهوات، ولا رقيب عليه في ذلك سوى الله عز وجل، ومن هنا ينشأ الرقيب الداخلي الذاتي؛ إذ يمكن للمرء أن يشبع شهواته في الخفاء، ويتظاهر أمام الناس بالصيام، ولكنه حينئذ ليس بصائم، وهو يمقت ضعفه وعجزه عن مقاومة الشهوات، وربما نبت في نفس هذا الضعيف العاجز إرادة التحرُّر من هذا العجز، وأدَّت به نفسه اللوامة إلى الارتفاع والتسامي كي يلحق بإخوانه المؤمنين الصابرين.
أما الصائم الذي التزم وكف نفسه عن شهواتها، فهو الذي يستشعر معنى مراقبة الله عز وجل؛ فتسمو نفسه وتتحرر إرادته من العجز والضعف، وتنشط روحه وجوارحه للعبادة وعمل الخير.
ولهذا السمو الروحي كان ثواب الصائم الجنة، وكان «الصيام جنة» أي: وقاية من عذاب الله في الآخرة، ووقاية من كل المكاره والشرور في الدنيا؛ فالصائم في معية الله عز وجل، ومن كان في معية الله صفا قلبه من كل إثم، وهُذبت مشاعره وأخلاقه فلا يرفق ولا يفسق ولا ينطق بكلمة سوء، حتى إنْ سابَّه أحدٌ يريد استدراجه إلى الرفث أو الفسق أبت عليه نفسه المطمئنة بمعية الله سبحانه أن ينحدر ويهوي إلى درك الفسق وسوء الخلق، وقال لنفسه: إني صائم إني صائم.. ولا يجوز للصائم أن يهوى من علياء سموِّه الروحي إلى المشاحنة والخصومة وإثارة الشرور.
والصيام كذلك غفران للذنوب وتعرض لرحمة الله عز وجل، وهذا الكرم الإلهي العظيم يترك في نفس المؤمن أعمق الأثر؛ فيزداد صفاء قلبه وحسن خلقه طمعًا في مزيد الكرامة والثواب وغفران الذنوب والمزيد الذي وعد الله به عباده الصائمين بإجزال الثواب لهم، جاء في الحديث القدسي عن رب العزة جل ثناؤه: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
ومن مقاصد الصيام التكافل الاجتماعي؛ حيث البذل والجود والعطاء صفات مقترنة اقترانًا لازمًا بهذا الشهر الكريم، بما يُرَبيه في نفس الصائم من الشعور بالآخرين والعطف على الفقراء والمساكين والمحرومين، وقد أشار الحديث الشريف إلى معاني المواساة، وتشتمل هذه الكلمة على كل مظاهر العطف والشفقة والدعوة إلى كفالة الفئات المحرومة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وغير ذلك من سبل الحياة الكريمة.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم (وهو أجود الناس) أجود ما يكون في رمضان، تعليمًا لأمته أن هذا شهر كريم منَّ به الله الكريم على المسلمين، فعليهم أن يشكروا الله تعالى على هذه المنة، ومن مظاهر الشكر: البذل والإنفاق والعطاء بسخاء وكرم، يشمل كل أفراد المجتمع المسلم، فلا يبقى بين المسلمين محروم ولا جائع ولا متكفِّفٌ؛ لأن الصائم المقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون عطاؤه كالريح المرسلة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان.
والسؤال المستحق هنا: ما صفة الصيام الذى يكون تربية للسلوك ودواءً للذنوب؟
الصيام الذى يحقق لنا هذه الثمرات هو الصيام الذى يأتي موافقًا لهدى النبي صلى الله عليه وسلم لا تشوبه ولا تفسده معصية، وليس صوم البطن والفرج فقط؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وقوله صلى الله عليه وسلم : "إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يسخر فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم". ومن هنا ندرك أن الصيام الذي ننال به الدرجات ويرقى به السلوك هو أن يصوم السمع والبصر، والعقل وكل الجوارح تصوم عن الحرام مع صيام البطن والفرج، وسبحان من هذا هديه، وهذه حكمته (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ).
لطيفة في حقيقة الصيام:
إن المتأمل في حقيقة الصيام يرى أنه امتناع عن الحلال من الطعام والشراب فترة من الوقت وكذلك الامتناع عن الحلال من النساء (الأزواج)، أمَّا الحرام بكل صوره وأنواعه فالامتناع عنه حاصل عند المؤمن في رمضان وفي غير رمضان؛ لذلك كان الامتناع عن (الحرام) في رمضان أوجب، فإذا كان صيامك عما أحل الله قائمًا، فأولى بك أن تصوم عما حرّم الله.
العمرة في رمضان:
ومن بركات الصيام أن العمرة في رمضان ثوابها يعدل حجة مع المصطفى صلى الله عليه وسلم
وفي هذا تيسير على العاجزين عن الحج أن ينالوا مثل ثوابه بالعمرة في رمضان.
كما أن فيه تحفيزًا للمؤمنين بالاجتهاد بالعمرة في رمضان لنيل هذا الثواب العظيم.
روى البخاري ومسلم عن ابْن عَبَّاسٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ : ( مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ [بعيران] ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ [نسقي عليه] الأرض ، قَالَ : فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً ) وفي رواية لمسلم: «حجة معي» .
والذي ذهب إليه أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم ، أن الفضل في هذا الحديث عام لكل من اعتمر في شهر رمضان ، فالعمرة فيه تعدل حجة لجميع الناس ، وليس مخصوصا بأشخاص أو بأحوال.
وقد نبه العلماء على أن العمرة في رمضان لا تجزئ عن حج الفريضة ، بمعنى أن من اعتمر في رمضان لم تبرأ ذمته من أداء الحج الواجب لله تعالى.
فالمقصود من الحديث إذًا التشبيه من حيث الثواب والأجر ، وليس من حيث الإجزاء.
اللهم بنور القرآن نَوِّر قلوبنا، وببركته حَسِّن أعمالنا، وأحسن ختامنا، وَرُدَّ الناس جميعًا إلى الحق والعدل، واهدهم إلى صراطك المستقيم، آمين يا رب العالمين.
|