ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
ســر الـعـربيـة بين يحيى حقى وفاروق شوشة
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
ذكريات لا تنسى (2)
ســر الـعـربيـة بين يحيى حقى وفاروق شوشة
.
د.محمد داود
فى شباب العمر دعانى أحد المحبين لزيارة صاحب الروح الجميلة، الأديب/ يحيى حقى فى منزله؛ لمناقشة فكرة كتاب يرشحها لإحدى تلميذاته كى تنهض بها، وهى: رسول اللهﷺ كما يقدمه القرآن.
وصرح الأستاذ يحيى حقى ـ فى الجلسة التى كنتُ فيها ـ عن الدافع وراء هذه الفكرة.. إنه الرغبة فى الوقوف على أصدق صورة لرسول الله ﷺ، من خلال تحليل الآيات التى تَعْرِض له ﷺ.
وما من شك فى أن الصورة التى يرسمها القرآن لرسول الله ﷺ هى الحق الخالص بعيدًا عن غلبة الهوى واندفاع العاطفة.
وسرعان ما تحول الحديث إلى الدقة اللغوية والإحكام والترابط، حتى يتعذر حذف كلمة من النص اللغوى.
وسألنى: هل هناك دراسات بهذا العنوان أو قريبة منه؟
فقلت له: قليلة جدًّا.. تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة.
فاعترضنى بقوله: لماذا كلمة (الواحدة)؟ قلت له: هذا من باب التأكيد.. فقال لى: كلمة اليد مفردة، فما الداعى لكلمة الواحدة، وليس هناك أدنى لبس أو غموض إذا اقتصرنا على كلمة اليد أن يظن أحد أنها أكثر من واحدة.
وأعلن عن رغبته فى التعبير الدقيق والتخلص من الكلمات الزائدة أثناء الحديث أو الكتابة.
ثم قلت له إن الدقة والإحكام والتناسق الدلالي يمكن أن نراه متحققًا في القرآن، وذكرتُ له قول الله (: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، والترابط الوثيق بين كلمات الآية والإحكام فى المفردة القرآنية، ومن التناسق الدلالى والتركيبى على مستوى هذه الآية.
أحكمت حكيم.
فصلت خبير.
والتعبير بـ "لدن" وليس "عند"... إلخ.
كما أن أسلوب الإيجاز فى القرآن الكريم: يتجاوز ما تريد يا أستاذ يحيى, فما يُعلم من السياق لا يذكره القرآن, وضربت له مثلًا بأوجه الحذف فى القرآن؛ من مثل: (واسأل القرية)، ومن مثل: أسلوب الاحتباك فى القرآن الكريم بأن يكتفى القرآن بذكر كلمة واحدة من جملة وكلمة من جملة أخرى، ثم يضم الكلمتين فى جملة واحدة لتعبر كل كلمة عن جملة, كما فى قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3]، والحذف والإيجاز باب واسع فى القرآن الكريم.
فقال لى: هذا كتاب معجز.. له جلاله وجماله.. جمع بين الدقة والإحكام والروعة والجمال.. سبحان من هذا كلامه.
ولكننى.. أقصد ضبط الكلام البشرى ليكون دقيقًا محكمًا, ولا تكون كلمة فى جملة إلا وتؤدى معنى مقصودًا.
ففاتحتُه فى مسألة الجمال والدقة اللفظية، وهل تصطدم دقة التعبير مع الجمال والروعة؟
وكان الرجل ( الأديب يحيى حقى) لطيفًا غاية اللطف.. ومن باب الإكرام قدَّم إلىَّ المشروب بنفسه.. وكانت لحظات ندية مشرقة مباركة.. أورثتني سعادة بالغة.
وأعلن كلانا عن الرغبة فى معاودة الحديث حول هذه المسألة، وطلب منى أن أجمع من الضوابط والمعايير اللغوية التى تعين على تحقيق رغبته, وليتها تدرس فى المدارس والجامعات، وكان الأجل أسرع من تحقيق ذلك..
وظلت الفكرة تصاحبنى (اللغة الدقيقة المحكمة) حينًا من الزمن، ومضت أعوام عديدة والتقيت الأستاذ المبدع الشاعر: فاروق شوشة بمجمع اللغة العربية، وتوفرت فرصة للحوار حول المنهج العلمى لتحديد الفروق الدلالية فى ضوء علم اللغة الحديث، فى إطار مناقشة فكرة معجم الفروق الدلالية فى القرآن الكريم، ذكرت له فكرة المرحوم الأديب: يحيى حقى، فترحم عليه وذكر لى جوانب أخرى عن فكرة يحيى حقى عن التعبير اللغوي المحكم.
ثم بادرت وسألته: يا أستاذ فاروق.. كيف ترى فكرة الأديب الراحل: يحيى حقي فى رحاب جماليات عربية فاروق شوشة؟
والإبداع فى حقيقته انحراف بوجه ما عن الحقيقة اللغوية، وإن قواعد النحو لتُكسر وتُخالف للضرورة الشعرية.
هل هى معضلة لا جواب لها أن نجمع بين الدقة والإحكام والجمال والروعة فى التعبير فى لغة البشر؟
ثم بادرت بتحديد مقصدى من السؤال قائلًا: أقصد (أريد) تجربة الشاعر والأديب فاروق شوشة.
فقال لى ـ فى إيجاز ودقة ودون تردد: فى الحقيقة.. فى تجربتى مع الشعر والأدب.. واللغة عامة.. الدقة تقودنى إلى الجمال والروعة.. وثمة علاقة وثيقة بينهما عندى.. فكلاهما يدعم الآخر ويقويه.
ولعل من يقرأ هذه السطور الآن يصل إلى أذنه بصوت موسيقى شجىٍّ الأسلوب المتفرد للمبدع المتألق الجميل: فاروق شوشة وهو يؤدى هذه الكلمات.. بدقة وجمال.
رحم الله الراحلَين: يحيى حقى وفاروق شوشة.. وجعلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا..
والحمد لله رب العالمين..
|