ÇÓã ÇáãÞÇáÉ:
حكمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
ÇáãÄáÝ:
د. محمد داود
New Page 1
حكمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
د. محمد داود
تأتى محاورة سيدنا داود وابنه سليمان – عليهما السلام – فى سياق ذكر ما منَّ الله به على أنبيائه من إيتائهم الفرقان والهدى والعلم والحكمة.
وسيدنا داود – عليه السلام – أول من جمعت له النبوة والملك فى أنبياء بنى إسرائيل، وبلغ ملك بنى إسرائيل فى عهده حدًّا عظيمًا من القوة والبأس. وأوتى داود الزبور فيه حكمة ومواعظ، فكان تكملة للتوراة التى نزلت مبينة تعاليم الشريعة، فاستكمل الزبور الحكمة ورقائق الكلام.
وأما سليمان – عليه السلام – فقد ورث عن أبيه الحكم والنبوة، وسخر الله له الجن والإنس والطير والريح، وقد سأل ربه : )رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى( فاستجاب له وأعطاه ذلك.
وكان من شأن داود لما بلغ ابنه سليمان مبلغ الرجال أن يشاوره فى أموره، ومن ذلك ما ورد فى الكتاب العزيز من الحكم فى شأن الغنم التى انطلقت تأكل من زرع قومٍ غير أصحابها، قال الله تعالى : ) وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ $ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً (.
كانت هذه القضية مظهرًا من مظاهر حكمة داود وسليمان – عليهما السلام – ومبلغ دقتهما فى تحقيق العدالة، والتفاوت بين القضاة، والتفاضل فى مراتب الاجتهاد.
وخلاصة القصة أن داود – عليه السلام – جلس للقضاء بين الناس، وكان سليمان آنئذٍ فتى شابًّا، فكان يجلس خارج بيت القضاء.
فجاء رجلان يحتكمان إلى داود، أحدهما صاحب مزرعة، والآخر صاحب غنم، وقد دخلت الغنم فى المزرعة فأتت على ما فيها من نبات وأفسدته، فقضى داود بأن تعطى الغنم لصاحب الزرع؛ لأن ثمن تلك الغنم كان يساوى ما أتلفته من الزرع.
فقال سليمان عليه السلام : أوغير هذا يا نبى الله ؟
قال داود عليه السلام : وما ذاك ؟
قال سليمان : إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفى ثمن الزرع الذى تلف، ثم ترد الغنم إلى صاحبها.
فقال داود : لا فُضَّ فوك.
ورجع عن حكمه السابق وأخذ بحكم ابنه سليمان.
والمقصود من هذه القصة ذكر نعم الله تعالى على داود وسليمان – عليهما السلام - فذكرت النعمة المشتركة بينهما، وهى نعمة العلم والفهم، وذلك فى قوله تعالى : ) وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً(، ثم تفصيل لما اختص به كل واحد منهما من النعم، وفى هذا تنبيه على أن العلم والفقه أفضل الكمالات وأعظمها، ولذلك قدم العلم على سائر النعم الجليلة التى فصلتها الآيات التالية، من تسخير الجبال والطير وتسبيحها مع داود عليه السلام، وتعليمه صناعة الدروع، وتسخير الريح والجن والإنس والطير لسليمان عليه السلام، كل هذه النعم ذكرت بعد ذكر النعمة العظمى، وهى نعمة الحكمة والفهم.
والحوار الذى دار بين النبيين الكريمين يكشف لنا عن مدى السماحة بين الآباء والأبناء، وديمقراطية الحوار والاختلاف فى الرأى وإن كان الخلاف بين الكبير والصغير، فلا كبير فى العلم والفقه والحكمة.
كما يبين لنا فضيلة الرجوع إلى الحق، وهى من أنبل الصفات وأجملها، والحرص على تحقيق العدل بين المتحاكمين، وإن كان الحاكم عالمًا فقيهًا حكيمًا؛ وقد جاء فى الأثر أن سيدنا عمر بن الخطاب
رضى الله عنه قال: "أصابت امرأة وأخطأ عمر".
كذلك تبين لنا هذه المحاورة فضيلة الاجتهاد فى العلم، وتفاوت العقول فى هذا، فسيدنا داود – عليه السلام – حكم لصاحب الزرع بأن يأخذ الغنم لأنها أتلفت زرعًا بقدر ثمنها، وهذا وجه من وجوه العدل.
أما سيدنا سليمان – عليه السلام – فقد أفهمه الله عز وجل وجه الحكمة والصواب فى هذه القضية، بما يحقق مصلحة الطرفين المتنازعين، فتحقق فى حكمه العدل إلى جانب الرحمة والرفق بالطرفين معًا، فقد حكم برد قيمة الزرع التالف مما تنتجه الغنم حتى يستوفى صاحب الزرع حقه كاملاً، ثم ترد الغنم إلى صاحبها؛ كى لا يفقد صاحب الغنم رأسماله ومصدر رزقه، وفى الوقت ذاته لم يظلم صاحب الزرع التالف بل حكم له بما يعادل قيمة التالف.
ولعل أجمل ما فى هذه المحاورة هو سرعة رجوع سيدنا داود – عليه السلام – إلى الحق الذى حكم به سيدنا سليمان – عليه السلام – ولا عجب فهو كما وصفه القرآن الكريم فى قوله تعالى : ) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ( [ص/17].
أى : كثير الرجوع إلى الحق والصواب. ولم يكتف بهذا بل شجع ابنه وأثنى على حكمته المبكرة، وأخذ يحثه على أن يدلى بدلوه فى القضية قائلاً :
وبم كنت تقضى يا بنى ؟
ثم ختم كلامه بالدعاء له والثناء عليه قائلاً : لا فُضَّ فوك.
وهو دعاء يقال لمن يحسن الكلام، ويراد به أن يُعمَّر طويلاً، وأن يبقى فمه سليمًا كى يظل قادرًا على النطق بهذا الكلام الحسن.
وأما سليمان – عليه السلام – فلم يستح من الحق، رغم حداثة سنِّه، بل تدخل طالبًا من أبيه أن يعرض عليه رأيه ولم يخطِّئه، بل ترفَّق فى عرض رأيه بصيغة السؤال:
أو غير هذا يا نبى الله ؟!ّ
مخاطبًا أباه بصفة النبوة.
ثم بسط رأيه معللاً حكمه بقوله:
إنى رأيت ما هو أرفق بالجميع.
وكان حكم سليمان – عليه السلام – هو الأرجح، وكان فهمه للقضية أعمق، فهى قضية يتنازعها دليلان، وما كان كذلك يُصار فيه إلى الترجيح.
والله تعالى أراد أن يظهر علم سليمان – عليه السلام – عند أبيه ليزداد سروره به، وأراد أن يبين لنا وجهًا من وجوه الاختلاف بين العلماء، واختلافهم رحمة، وأن يبين لنا أيضًا عذر المجتهد إذا أخطأ، كما أن هذه المحاورة أصل فى رجوع الحاكم عن حكمه إذا تبدى له ما هو أصوب واصلح، وفيها تشجيع العلماء والنابغين وتقديرهم، وفيها تقديم الحكم العادل الذى يحقق مصلحة الطرفين، على الحكم العادل الذى يراعى العدل دون أن يجمع بين العدل والرحمة.
وغير ذلك من القيم الرفيعة والمعانى السامية.
Dr.mohameddawood@yahoo.com
|